مقالة طويلة لكن مهمة جدا: أسباب سقوط وتهافت الاقتصاد العالمي

صوت النرويج 12 فبراير /المدينة المنورة/ بقلم د. صلاح الدين عباس شكر – المدينة المنورة

القرآن الكريم كتاب إلهي خالد شامل لكل ما يحتاجه الناس في حياتهم الدينية والاجتماعية وغيرها. قال تعالى: (ما فرَّطنا في الكتاب من شيء) الأنعام(38)؛ ومعنى هذا أن القرآن الكريم جاء بهدايات تامة كاملة، تفي بحاجات البشر في كل عصر وفي كل مصر. وفاء لا تظفر به في أي تشريع ولا في أي دين آخر، ويتجلى لنا هذا في جانب الإصلاح المالي عن طريق الدعوة إلى إصلاح الاقتصاد وحماية المال من التلف والضياع، ووجوب إنفاقه في وجوه البر، وفي أداء الحقوق الخاصة والعامة وبالسعي في تحصيله بالطرق المشروعة، والدليل على وجه الإعجاز القرآني أن غير المسلمين من الأوروبيين والأمريكان كانوا ولا يزالون حائرين يبحثون عن النور وينقبون عما يفي بحاجاتهم في كثير من نواحي حياتهم، حتى اضطروا في نهاية المطاف وتحت ضغط الحاجة وقسوة التجارب إلى أن يرجعوا إلى هداية القرآن.

ومما لا يخفى أن الأزمة المالية اليوم تعصف بالعالم شرقاً وغرباً، فهي حدث عظيم أقض مضاجع الساسة وأصحاب القرار، وأرباب الفكر والاقتصاد، وهي خطب جسيم له تعقيداته وتداعياته المتعددة، يوضح ذلك الاضطراب الكبير والواسع الذي يعيشه الاقتصاديون والسياسيون، وقد كثرت الكتابات، وتباينت التحليلات في ذلك ، فهم في أمر مريج، وقد أقبل بعضهم على بعض يتلاومون فيمن يتحمل مسؤولية ما حدث.

وسأسوق بعضاً من أقوال وكتابات عقلاء وعلماء الغرب في هذا الشأن:
أ- دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي في فرنسا، وقال المجلس: إن النظام المصرفي الذي يعتمد على قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية مريح للجميع سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
وفي استجابة على ما يبدو لكثير من النداءات أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاط البنوك قراراً يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي واشتراط التقابض في أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي.

كما أصدرت نفس الهيئة قراراً يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية. والصكوك الإسلامية عبارة عن سندات إسلامية مرتبطة بأصول ضامنة بطرق متنوعة تتلاءم مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.

ب- قال بوفيس فانسون رئيس تحرير مجلة تشالينجز كبرى الصحف الأوروبية متسائلاً بأسلوب يقترب من التهكم من موقف الكنيسة ومستسمحاً من البابا بنديكيت السادس عشر قائلاً: أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمنة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون عليها احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها لما حلت بنا الكوارث والأزمات، ولما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لأن النقود لا تلد النقود.
كما كتب رئيس تحرير هذه المجلة مقالاً آخر تحت عنوان (البابا أو القرآن) وقد أثار هذا المقال موجةً عارمة من الجدل وردود الأفعال في الأوساط الاقتصادية. فقد تساءل في هذا المقال عن أخلاقية الرأسمالية؟ ودور المسيحية كديانة؟ والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس منزع الفائدة والتساهل في تبريره، مشيراً إلى أن النهج الاقتصادي السيئ هو الذي أودى بالبشرية إلى الهاوية.

جـ- طالب (رولان لاسكين) رئيس تحرير صحيفة (لوجورنال دي فينانس) بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حَدّ لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جرّاء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة، وطالب لاسكين في مقاله الذي جاء بعنوان: هل تأهلت (وول ستريت) لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية لتبعد المخاطر التي تحدق وتحيط بالرأسمالية، وطالب بضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع المتدهور، وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة وفي مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.

د- صدر مؤخراً وقبل فترة وجيزة كتاب بعنوان: (اقتصاد ابن آوى) للباحثة الإيطالية (لودريتا نابليوني) أشارت فيه إلى أهمية التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي، واعتبرت أن مسؤولية الوضع الراهن والطارئ في الاقتصاد العالمي والذي نعيشه اليوم ناتج عن الفساد المستشري والمضاربات التي تتحكم بالسوق والتي أدت إلى مضاعفة الآثار الاقتصادية. وأضافت أن التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي بعد تحطيم التصنيف الغربي الذي يسم الاقتصاد الإسلامي بالإرهاب. ورأت نابليوني أن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال في الكون، وأوضحت أن المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية. فمع انهيار البورصات في هذه الأيام وأزمة القروض في الولايات المتحدة الأمريكية فإن النظام المصرفي التقليدي بدأ يظهر متصدعا ويحتاج إلى حلول جذرية عميقة.
هـ- منذ عقدين من الزمن تطرق الاقتصادي الفرنسي (موريس آلي) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، إلى الأزمة الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد العالمي بقيادة الليبرالية المتوحشة، معتبراً أن الوضع على حافة بركان ومهدد بالانهيار تحت وطأة الأزمة المضاعفة – المديونية والبطالة – واقترح للخروج من الأزمة وإعادة التوازن شرطين، هما:
– تعديل معدل الفائدة إلى حدود الصفر.

– مراجعة معدل الضريبة إلى ما يقارب 2% وهو ما يتطابق مع إلغاء الربا، والاقتراب من نسبة الزكاة في النظام الإسلامي.
و- صرح الرئيس الروسي ومعه القمة الرباعية الأوروبية (فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، بريطانيا) بأن الحاجة أصبحت ماسة وملحة إلى قيام نظام اقتصادي جديد أكثر أمناً.

.. هذه بعض من أقوال أصحاب الأفكار والمبادئ والنظريات في الغرب، يراجعون أفكارهم ومبادئهم ويعملون على تطويرها.
ونحن نؤمن إيماناً أكيداً وعميقاً بصلاحية ديننا وشرعنا في كل جوانب الحياة وفي الجانب الاقتصادي، وان شرعنا وديننا صالح لكل زمان ولكل مكان، وما استشهدت له من أقوال المفكرين والكتاب الغربيين يزيدنا إيماناً والفضل بعد الله ما شهدت به الأعداء ورحم الله القائل: من فمك أدينك.

أيها الإخوة الكرام: إن المشكلة والطامة الكبرى الآن هي عندنا وفي بلادنا العربية والإسلامية التي حباها المولى تعالى بنظام رباني منذ أربعة عشر قرناً، والمصيبة الكبرى في مفكرينا الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويستبدلون بضاعتهم الثمينة ببضاعة الغرب المزجاة ويقلدون ببغاوات الغرب بأخطائهم ويتعصبون لآرائهم ويدافعون عنها وكأنها الحق المطلق. هؤلاء الذين قال الله فيهم: (وإذا ذُكر الله وَحدَه اشمأزتْ قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذُكر الذين مِن دونه إذا هم يستبشرون) الزمر(45). أيها الإخوة إن مصيبة المتعلقين بغير الله تعالى: أنهم يتعلقون بفانٍ؛ وينتصرون بمهزوم؛ ويستقوون بضعيف؛ ويعتزون بذليل؛ ويرجون مَن لا يُرتجى؛ ويسألون من لا ينفع؛ ويخافون مَن لا يضر؛ وينسون القويَّ العزيز الذي بيده ملكوت كل شيء.

ومما يحز في الفؤاد ويحزن القلب فيما يحدث على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي: هو وقوع العالمين العربي والإسلامي داخل دائرة رد الفعل تجاه كل الأحداث والقضايا الهامة والمصيرية، وعدم امتلاك القدرة على التأثير في أي مجال من مجالات الحياة. فأسواق المال العربية تأثرت تأثراً كبيراً بما يحدث في الأسواق العالمية رغم المراكز المالية القوية التي تتمتع بها معظم الشركات المدرجة في هذه الأسواق ورغم الأرباح الجيدة التي تحققها. والمنطقة العربية التي تصطلي بنيران الركود والكساد الذي يصيب الاقتصادَ العالمي وتتحمل الجزءَ الأكبر من المعاناة التي تنتج عن الأزمات المالية التي يمر بها العالم، مع أن الله عز وجل حبا هذه المنطقة بطبيعة جغرافية متفردة في أهميتها من الناحية الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وهذا التفرُّد يمكِّنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي ولعب دور إقليمي مؤثر، وحماية أمنها داخلياً وخارجياً، وحباها الله عز وجل بثروة بشرية ومقومات سياحية، ومواردَ طبيعيةٍ لو أُحسِنَ استغلالُها لأصبحت الدولُ العربية اللاعبَ الأساسي والمحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي.

والويلات التي تعاني منها الدول العربية والإسلامية، وتعاني منها البشريةُ اليومَ سببها الإعراضُ عن منهج الله وشرعه. يقول الله تعالى: (وَمَن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) طه(124)؛ ويقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) البقرة(278-279).

أيها الإخوة المؤمنون: نجد آثارَ هذه الحرب المُعلَنة على المتعاملين بالربا في الأزمات المالية المتتالية والحروب التي تسعر هنا وهناك، ونجدها في الصراعات الطبقية، وانعدام الأمن والاستقرار، ونجدها في الخوف والقلق والاضطرابات النفسية، ونجدها في مَحْقِ البركة من الأرزاق والأعمال والأعمار، ونجدها في فساد الأخلاق، وفي عقوق الأولاد وخراب الأسر.
ولقد بين المولى تعالى بأن ظهور الفساد وانتشاره في الأرض مرتبط بفعل الناس، يقول عز وجل: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) الروم(41).
ومن أشد وأكبر صور الفساد اليوم تَفَشِّي الربا في كافة المعاملات المالية والاقتصادية والتجارية، ووصول الرأسمالية العالمية إلى قمة طغيانها، حتى سَمَّاها المحللون بالرأسمالية الطاغية، وبالغتْ في سياستها الاحتكارية إلى مرحلة الافتراس للفقراء في العالم.

يقول سيد قطب رحمه الله في تفسيره في ظلال القرآن: يجب على المسلمين أن ينتبهوا إلى جملة حقائق أساسية بصدد كراهية الإسلام للنظام الربوي المقيت:
الحقيقة الأولى: والتي يجب أن تكون مُستيقَنةً في نفوس المسلمين أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي، لأن أساس التصور الإسلامي يصطدم اصطداماً مباشراً بالنظام الربوي، ونتائجه العملية في حياة الناس وتصوراتهم وأخلاقهم.
الحقيقة الثانية: أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية – لا في إيمانها وأخلاقها وتصورها للحياة فحسب -، بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية، وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقاً، وَيُعَطِّل نُمُوَّها الإنساني المتوازن، على الرغم من الطلاء الظاهري الخداع الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنمو الاقتصادي العام.

الحقيقة الثالثة: أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مترابطان ترابطاً تاماً، وأن الإنسان في كل تصرفاته مرتبط بعهد الاستخلاف وشرطه، وأنه مبتلى وممتحن في كل نشاط يقوم به في حياته، ومحاسب عليه في آخرته، فليس هناك في الإسلام نظام أخلاقي وحده، ونظام عملي واقتصادي لوحده، وإنما هما معا يؤلفان نشاط الإنسان، وكلاهما عبادة يؤجر المسلم عليها إن أحسن، ويأثم ويؤاخذ عليها إن أساء. وإن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق. وأن الأخلاق ليست نافلة يمكن الاستغناء عنها.

الحقيقة الرابعة: أن التعامل الربوي لا يمكن إلاَّ أن يفسد ضمير الفرد وخلقه وشعوره تجاه أخيه في الجماعة. وإلاَّ أن يفسد حياةَ الجماعة البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشره والطمع والأَثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة. وفي عصرنا الحديث فإن الربا يُعَدُّ الدافعَ الأول لتوجيه رأس المال إلى أحطّ وجوه الاستثمار كي يستطيع رأسُ المال المستدان بالربا أن يُخرج ربحاً مضموناً، فيؤدي الفائدة الربوية ويفضل شيء للمستدين، ومن ثم فهو الدافع المباشر لاستثمار المال في الأفلام القذرة، والصحافة القذرة، والمراقص والملاهي، والرقيق الأبيض، وسائر الحرف والاتجاهات التي تحطم أخلاق البشرية تحطيماً، والمال المستدان بالربا ليس همه أن ينشئ أنفع المشروعات للبشرية، بل همه أن ينشئ ما أكثرها ربحاً، ولو كان الربح إنما يجيء من استثارة أحط الغرائز، وأقذر الميول، وهذا هو المُشاهَدُ اليوم في أنحاء الأرض وسببه الأول هو التعامل بالربا.

الحقيقة الخامسة: أن الإسلام نظام متكامل، فهو حين يحرم التعاملَ بالربا يُقيمُ نُظُمَه كلَّها على أساس الاستغناء عنه وعن الحاجة إليه، وينظّم جوانبَ الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي الحاجةُ إليه، وبدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطّرد.

الحقيقة السادسة: حين يُتاحُ أن يُنظّم الإسلامُ الحياةَ وفق تصوره ومنهجه الخاص لن يحتاج إلى إلغاء المؤسسات والأجهزة لنمو الحياة الاقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم، ولكنه فقط سيطهّرها من لوثة الربا ودنسه، ثم يتركها تعمل وفق المنهج الإسلامي السليم.

الحقيقة السابعة: – وهي الأهم – ضرورة اعتقاد المسلم الحق بأن هناك استحالةً اعتقادية في أن يُحَرِّمَ الله جلّ جلاله أمراً لا تقوم الحياةُ البشرية ولا تتقدم بدونه، كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيثٌ ويكونَ في الوقت ذاته حتمياً لقيام الحياة وتقدمها. فالله سبحانه وتعالى هو خالق هذه الحياة وهذه البشرية وهو مُستخلِف الإنسان فيها وهو الآمر بتنميتها وترقيتها، وهو المريد لهذا كله والمُوَفِّق إليه. (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف(54).
الحقيقة الثامنة: قول المكابرين والمعاندين والمنافقين باستحالة قيام النظام الاقتصادي العالمي اليوم وغداً على أساس غير الأساس الربوي ليس سوى خرافة، أو هي أكذوبة ضخمة تعيش لأن الأجهزة التي يستخدمها أصحاب المصلحة الربوية في بقائها أجهزة ضخمة فعلاً، وأنه إذا صَحَّتِ النيةُ وَعَزَمَتِ الأمةُ الإسلامية أن تستردَّ حريتَها من قبضة العصابات الربوية العالمية، وأرادت لنفسها الخيرَ والسعادة والبركة مع نظافة الخلق وطهارة المجتمع، فإن المجال مفتوح لإقامة النظام الاقتصادي الإسلامي الرشيد، الذي أراده الله للبشرية، والذي طُبِّقَ فعلياً في تاريخ الإسلام الزاهر. انتهى كلام سيد قطب رحمه الله.

والآن.. يُطَبَّقُ النظامُ الاقتصادي الإسلامي جزئياً في بعض البلاد الإسلامية والغربية، فقد بَيَّنتْ دراسةٌ حديثة لاتحاد المصارف العربية أن الأعمال المصرفية القائمة على أحكام الشريعة الإسلامية تشهدُ نُمُوّاً على المستويين الإسلامي والعالمي. وهناك (300) مصرف إسلامي تنتشر في (60) دولة حول العالم ، يتركز نحو 40% منها فقط في الدول العربية خصوصاً دول الخليج العربي. وأوضحت الدراسة أن قاعدة موجودات تلك المصارف بلغت أكثر من (250) مليار دولار مع نهاية عام 2007م، وكان معدل النمو السنوي يتراوح ما بين 15-20% وأن لندن عاصمة المال والأعمال تضم عدداً من المصارف وصناديق الاستثمار الإسلامية. وأصدرت الحكومة البريطانية نصوصاً تشريعية وضريبية من شأنها أن تشجع النظام المالي الإسلامي، وَفُتِحَ أولُ مصرف إسلامي في بريطانيا عام 2004م.

هذه تجارب فعلية وجزئية لتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي في بعض البلاد الإسلامية والغربية.
أما في أمريكا الشمالية: فقد نشرت صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية تقريراً تحت عنوان: (الاقتصاد الإسلامي ينجح رغم الأزمة). وأوضحت في هذا التقرير نجاح تجربة (أمانة إنكوم) الاستثماري الإسلامي. وصندوق (أمانة جروث) وأكدت الصحيفة في هذا التقرير عن تحقيق أكبر كَمّ من العوائد، مع أقل نسبة من المخاطر، مقارنة بمنافسيهم على مدى السنوات الخمس الماضية، مشيرة إلى أن مبادئ الشريعة الإسلامية تمهد الطريق أمام صندوق (أمانة إنكوم) إلى القمة.

وأكدت الصحيفةُ حسب موقع (إسلام أون لاين) في افتتاحها للتقرير أن شركة ( الإسلام ونيكولاس كاسير) قادا صندوق (أمانة إنكوم) للتعاملات المالية الإسلامية إلى حصد مكاسب تخطَّى بها كلَّ منافسيه في السوق الاستثمارية الأمريكية، وسبحا به بعيداً عن تلاطمات الأزمة المالية التي تعصف بالعالم منذ أسابيع، وأشارت الصحيفة إلى أن الصندوق بهذا الأداء أثبت وبشكل خاص في عام 2008م الذي شهد تضخم الأزمة المالية العالمية أن القيود التي تفرضها الشريعة الإسلامية على أداء ومجالات الاستثمار أثبتت فائدتها وأفضليتها، حيث لا يضم الصندوق أياً من الشركات التي تتعامل بالمضاربات أو الفوائد الربوية، والتي مُنِيَتْ بضربات قاصمة وَصَلَت لِحَدِّ الإفلاس في هذا العام.

تعريف بصندوق (أمانة إنكوم) :
تأسس صندوقُ (أمانة إنكوم) في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1986م. بواسطة المؤسسة الإسلامية في أمريكا الشمالية تلبية لرغبات المسلمين الأمريكيين الذين يريدون استثمار أموالهم وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية التي تمنع نظام الفائدة وتحرم استثمار المال في تجارة الخنزير والكحول والإعلانات والإعلام الخليع والمواد الخليعة والتبغ.
ثم تأسس تبعاً لصندوق (أمانة إنكوم) صندوق (أمانة جروث) تبعاً له وذلك في عام 1994م. وكلاهما تديره شركة (ستورنا كابيتال). بقيادة (نيكولاس كاسير). ومقرها مدينة (بيلنجهام) بولاية واشنطن. ونقلت وكالة (مورنينج ستار) المعنيّة برصد المعدلات المالية الأمريكية بأن صندوق (أمانة إنكوم) حقق مُعَدَّلاً تنموياً سنوياً بلغ 9.7% وهو الأداء الأفضل في مقابل أداء الصناديق الاستثمارية الأمريكية الأخرى التي لا تتبع شروط الاستثمار المالي الإسلامي. انتهى بإيجاز تقريرُ صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية.

وختاماً.. وبالرغم من كل ما قيل ويقال: وبعد هذا التطواف الموجز، فَلِسائلٍ أن يسأل ما هو الاقتصاد الإسلامي؟ وما هي عقيدته؟ وما هي قواعده الاقتصادية؟ وما المحظور فيه؟ وما هي نظرته للسوق؟ وما هي أدواته الاستثمارية؟ والتي – مع الأسف – ينكرها ولا يستسيغها البعضُ من جهلاء وسفهاء قومنا الذين درسوا وتربوا على علمانيي الغرب وملحديه. وبعجالة وإيجاز مفيد أقول وبالله التوفيق:

أ- تعريف الاقتصاد الإسلامي:
هو مجموعة المبادئ والأصول الاقتصادية التي تحكم النشاط الاقتصادي للدولة الإسلامية التي وردت في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتي يمكن تطبيقها بما يتلاءم مع ظروف الزمان والمكان، ويعالج الاقتصاد الإسلامي مشاكل المجتمع الاقتصادية وفق المنظور الإسلامي للحياة.
ومن هذا التعريف يتضح أن الأصول ومبادئ الاقتصاد الإسلامي التي وردت في القرآن والسنة، وهي أصول لا تقبل التعديل لأنها صالحة لكل زمان ومكان بصرف النظر عن تغير الظروف.
ب- عقيدة الاقتصاد الإسلامي: تقوم عقيدة الاقتصاد الإسلامي على مبدأين:
1- أن المال مال الله والعباد مستخلفون فيه، وبذلك فهم مسئولون عن هذا المال، كسباً وإنفاقاً أمام الله في الآخرة، وأمام الناس في الدنيا. فلا يجوز كسب المال من معصية أو إنفاقه في حرام، ولا فيما يضر الناس.
2- دور المال: هو أداة لقياس القيمة، ووسيلة للتبادل التجاري، وليس سلعة من السلع، فلا يجوز بيعه وشراؤه (ربا الفضل)، ولا تأجيره (ربا النسيئة).

جـ- القواعد الاقتصادية في النظام الإسلامي:
القاعدة الأولى: المشاركة في المخاطر: وهي أساس الاقتصاد الإسلامي وعماده، وهي الصفة المميزة له عن غيره من النظم فالمشاركة في الربح والخسارة هي قاعدة توزيع الثروة بين رأس المال والعمل، وهي الأساس الذي يحقق العدالة في التوزيع.
القاعدة الثانية: موارد الدولة: لا ينفرد هذا النظام عن غيره في هذا الباب إلا في وجود الزكاة كمورد ينفرد به الاقتصاد الإسلامي. وهي أشبه شيء تقريباً بالضرائب، لكنها ضرائب على المُدَّخرات، لتشجع على الإنفاق بدلاً من الكنز، مما يدفع عجلة الاقتصاد والإنتاج للدوران.

القاعدة الثالثة: الملكية الخاصة: يحمي النظامُ الإسلامي الملكيةَ الخاصة، فَمِنْ حَقِّ الأفراد تَمَلُّكُ الأرض والعقار ووسائل الإنتاج المختلفة مهما كان نوعُها وحجمها بشرط أن لا يؤدي هذا التملكُ للإضرار بمصالح عامة الناس وألاَّ يكون في الأمر احتكارٌ لسلعة يحتاجها العامة. وهو بذلك يخالف النظام الشيوعي الاشتراكي الذي يعتبر أن كل شيء مملوك للشعب على المشاع.
القاعدة الرابعة: الملكية العامة: تظل المرافق المهمة لحياة الناس في ملكية الدولة أو تحت إشرافها وسيطرتها من أجل توفير الحاجات الأساسية لحياة الناس، ومصالح المجتمع. وهو بهذا يخالف النظام الرأسمالي الغربي الذي يُبيحُ تَمَلُّكَ كلِّ شيء وأي شيء. قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث في الكَلأ والماء والنار) أخرجه أبو داود ح رقم (3477) وهو صحيح.

القاعدة الخامسة: نظام المواريث في الإسلام: يعمل نظامُ المواريث الإسلامي على تفتيت الثروات وعدم تَكَدُّسِها، حيث تُقَسَّمُ الثرواتُ بوفاة أصحابها على ورثتهم حسب الأَنْصِبَةِ المذكورة في الشريعة.
القاعدة السادسة: الصدقات والأوقاف: تُعَدُّ الصدقاتُ والأوقاف من خصائص الاقتصاد الإسلامي التي تعمل على تحقيق التكافل الاجتماعي وتغطية حاجات الفقراء في ظل هذا النظام.

القاعدة السابعة: تغليب المنفعة العامة على المنفعة الخاصة عند التضارب.
القاعدة الثامنة: مراقبة السوق ولكن دون التدخل في تحديد السعر عن طريق ما يسمى بـ(المحتسب).
القاعدة التاسعة: الشفافية: حض الإسلام على الشفافية من خلال منع الرسول صلى الله عليه وسلم من تلقي الركبان (القوافل القادمة بالأرزاق وغيرها).

القاعدة العاشرة: تمييز ما يقع ضمن الممتلكات العامة أو الفردية، وليس معناه التفرقة بين الممتلكات العامة والخاصة. والتمييز يعني إعمال القاعدة الفقهية (دفع الضرر العام بالضرر الخاص).

د- المحظورات في النظام الاقتصادي الإسلامي:
المحظور الأول: الرِّبـا: محرم في الإسلام بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة.
المحظور الثاني: تحريم الاحتكار: وهو محرم في السنة والأحاديث الشريفة لما فيه من الأضرار بمصالح العامة والاستغلال لحاجاتهم، ولما يتسبب من قهر للمحتاج، وربح فاحش للمحتكر.
المحظور الثالث: تحريم الاتجار بالقروض: حيث أنها هي إحدى صور المال، فلا يجوز الاتجار بها، إذ أن المال لا يُباع ولا يشترى.
المحظور الرابع: تحريم بيع ما لا يمتلكه الفرد وذلك لمنع المخاطرة أو المقامرة.
المحظور الخامس: تحريم بيع الغرر: وهو بيع غير المعلوم، مثل بيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وأنواع المقامرة التي نراها منتشرة في مسابقات الفضائيات وشركات الهاتف، اتصل على رقم كذا لتربح، أو أرسل رسالة لتربح، وهي كلها من صور المقامرة التي حرمها الله عز وجل.

المحظور السادس: تحريم الاتجار في المحرمات، فلا يجوز التربُّح مما حرمه الله عز وجل من التجارة في الخمور أو المخدرات أو الدعارة، أو المواد الإباحية المختلفة، وغيرها من المحرمات.

هـ- نظرة الإسلام للسوق:
يؤمن الاقتصاد الإسلامي بالسوق ودوره في الاقتصاد حيث أن ثاني مؤسسة قامت بعد المسجد النبوي في المدينة المنورة هي السوق، ولم ينه النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التجارة، لا بل إن العديد من الصحابة كانوا من الأغنياء، كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم رضي الله عنهم جميعاً.

و- الأدوات الاستثمارية في النظام الإسلامي:
الأداة الأولى: المضاربة: وهي أن يدفع صاحب المال مالاً لصاحب العمل أو المؤسسة الاستثمارية من أجل استثماره له، على أن يتم توزيع الأرباح على أساس نسبة محددة من الربح، وليس من أصل المال، وهذا يحقق قدراً أكبر من العدالة في التوزيع عما يحقق النظام الربوي ولا يتم توزيع الربح إلا بعد استعادة أصل رأس المال.
الأداة الثانية: المرابحة: وهي أقرب شيء للتجارة العادية، وهي أن يقوم صاحب المال بشراء سلعة من أجل بيعها بسعر أعلى سواء كان هذا البيع الأخير آجلاً أو تقسيطاً أو نقداً.
الأداة الثالثة: المشاركة: وفي المشاركة يكون الأطراف مشاركين بالمال والجهد، أو بأحدهما، وتكون ملكية النشاط التجاري مُشترَكةً بينهم، ويتشاركون في تحمل الربح والخسارة.
الأداة الرابعة: الإجارة: أن يشتري صاحب المال أو المستثمر عقاراً أو معدات بغرض تأجيرها، ويكون هذا الإيجار، بعد مصروفات الصيانة، هو ربح النشاط التجاري.
الأداة الخامسة: السلم: وهي الصورة العكسية للبيع الآجل، ففيها يتم دفع المال مقابل سلعة آجلة، على أن تكون السلعةُ محددةً وموصوفة وصفاً يرفع الخلاف.

أيها الإخوة الأفاضل.. وبعد.. فلله الحكمةُ البالغة في قضائه وقدره، فتقديره مَبْنِيٌّ على حكمته وعدله، ذلك تقدير العزيز العليم، ولا يخرج شيء في هذا الكون عن مقتضى حكمته، فهو الحكيم الخبير. ومن حكمته سبحانه وتعالى أن جعل المصائب والكوارث سبباً للاتعاظ والتذكر والرجوع إليه. قال تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) السجدة(21). وقال تعالى: (ليذيقهم بعضَ الذي عَملوا لعلهم يرجعون) الروم(41).
فمن الناس من يرجع إلى الله بسبب هذه الأزمة، وكثيرٌ حَقَّ عليه العذابُ، لا يتوب ولا يؤوب، قال تعالى: (فلولا إذ جاءهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولكنْ قَسَتْ قلوبُهم وَزَيَّنَ لهم الشيطانُ ما كانوا يعملون) الأنعام(43).

أيها الإخوة الأكارم: ها هي الأحداث المتعاقبة التي نسمعها ونراها تكشف يوماً بعد يوم عن عورات وقصور وتساقط النظم الوضعية وفشلها في تحقيق العدالة والتنمية والتقدم، ولذلك نأمل أن تؤدي الأزمةُ المالية العالمية إلى مراجعةٍ شاملة للنظم الاقتصادية المعمولِ بها في دولنا العربية والإسلامية، وأن تتم العودةُ إلى تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي كما أَمَرَ رَبُّنا، حيث يمتاز عن غيره بأنه رباني المصدر والهدف، الرقابة فيه المزدوجة، ويجمع بين الثبات والمرونة، ويحقق التوازن بين المادية والروحية، والتوازنَ بين مصلحة الفرد والمجتمع، وبين الواقعية والعالمية، ومن مبادئه إقرار الملكية الفردية والملكية العامة، والتكافل الاجتماعي وضمان الكفاية للفقراء والمحتاجين، وضمان الحرية المقيدة بمبادئ الدين والشريعة.

ويجب أن يُدَرَّس هذا النظامُ في المعاهد والجامعات، وأن يبحث المختصون عن حلول إبداعية وعملية للخروج من تحت عباءة الغرب ونظمه الوضعية والبشرية، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى استقلال قرارنا السياسي، والاعتماد على نظامنا الرباني في تحقيق النهضة، والتي فشلت النظم البشرية الغربية والشرقية في تحقيقها بسبب ابتعادها عن تطبيق هذا النظام الرباني.// انتهى/ادارة تحرير صوت النرويج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *