سمير القنطار رمز للعروبة

صوت النرويج/الاثنين21 يوليو/اسلو/دمشق/ لم يكن يوم الأربعاء الماضي، من شهر تموز / يوليو، كغيره من الأيام التي اعتدنا على وصف معظمها بـ” السوداء والحزينة و…” . كان يوماً للفرح، للنصر القادم مع الأسرى ورفات الشهداء، الذين تحولوا في ضمير وعقل الشعب الفلسطيني والأمة العربية، أيقونات عز وفخر وانموذج . عاد سمير بعد رحلة طويلة غنية بالتحدي، والصمود، والصعود لقمة الثبات. تحرير الأسرى وعودتهم في تموز تحمل دلالات عديدة، لعل أبرزها اعادة انتاج ماتمخضت عنه نتائج الغزو الصهيو أمريكي للبنان في تموز 2002، وترسيخ للفشل والاندحار العسكري، وتأكيد على الخيبة، والذل، والانكسار المتجدد لجبهة الأعداء. لم تكن مصادفة أن تطلق “جبهة التحرير الفلسطينية” التي نفذ مقاتلوها تلك المواجهة البطولية مع العدو على مدى عدة ساعات، اسم القائد “جمال عبد الناصر” في ذلك الوقت تحديدا على العملية. كانت “الساداتية” بما تعنيه من تحولات خطيرة، داخلية وخارجية، هي المقصودة بدلالة التسمية. خاصة وأن الزعيم الخالد، رفع ومارس الشعار الاستراتيجي(ماأخذ بالقوة لايسترد بغير القوة). ولهذا كان لابد من التأكيد على قومية المعركة في مواجهة المشروع الصهيوني/ التوسعي/ الاجلائي.

سمير القنطار مع زملائة الذين نفذوا عملية”جمال عبدالناصر” قبل 30 عاما

ذات ليلة ربيعية شديدة السواد فالقمر يتجنبه عشاق السلاح العابرون نحو الوطن_، عبر “سمير” البحر مع رفاقه الثلاثة قبل ثلاثين عاما، ووصلوا الشاطىء الفلسطيني المحتل، ليخوضوا معركة شرسة مع قوات العدو . فالعملية البطولية / الاستشهادية على الساحل الفلسطيني في “نهاريا” التي هزت كيان الغزاة، لم تكن “مغامرة” ولا ردة فعل آنية، بل كانت حلقة في سلسلة متكاملة من المواجهات المسلحة مع العدو في أكثر من مكان، مارستها فصائل الكفاح الوطني المسلح، داخل الوطن المحتل، وعبر الحدود التي رسماها “سايكس و بيكو” . استشهد مقاتلان من المجموعة وأسر ” أحمد الأبرص و سمير القنطار ” . لكن “الأبرص” كان قد استرد حريته قبل عدة سنوات، نتيجة عملية تبادل سابقة، وبقي القنطار في زنزانة السجان، محكوماً بخمسة مؤبدات، يتجاوز عمرها الزمني خمسمائة عام . سقطت عند ارادة الصمود الاسطوري كل ماحمله ” بيغن وشيطانه ” من وسائل تعذيب رهيبة. ولم تستطع عمليات الجراحة الوحشية _ بدون مخدر_ أن تعالج ماتركته رصاصات العدو في جسد الفتى، ابن السبعة عشر ربيعاً. انتزعوا أربعة منها، وبقيت الخامسة داخل الجسد، وسام شرف وشهادة عز.

مع كل يوم، وخلال السنوات الثلاثين، كان منسوب الوعي يتطور لدى المقاتل العربي، القادم من جبال لبنان الأبية. إذ يشهد له كل من عرفه داخل المعتقلات، بمقدرته الاستثنائية على امتلاك الثقافة الوطنية الثورية، وشغفه بالمطالعة والحوار. كان يتمتع بقدرة حقيقية على ادارة النقاش في سبيل الوصول الى القناعات المشتركة . ولهذا برز كقائد حقيقي داخل السجون . وخاض مع رفاقه الأسرى كل معارك “الأمعاء الخاوية” ببسالة واقتدار.

ظهر سمير ورفاقه في عرس استقبالهم وهم في ملابس النخبة الفدائية المقاتلة، كنجوم ساطعة في سماء الانتصار، الذي تحقق بفضل الدور الريادي للمقاومة الوطنية المسلحة بقيادة “حزب الله “، وللبنية الاجتماعية/ السياسية/ المعنوية التي وفرت للمقاومة حاضنتها الشعبية. كلمة سمير الاحتفالية، حددت مسار النضال الوطني له، وأعادت تذكير الجميع، خاصة الحركة الوطنية الفلسطينية، بأهمية تحقيق وحدتها الوطنية من خلال (الأداة الواحدة الملتزمة بالمقاومة). وتكتسب هذه الدعوة المهمة والصادقة اهميتها، لأنها تأتي من القنطار ذاته الذي أكد (أننا عائدون أنا وإخواني في المقاومة إلى فلسطين) مشدداً (انني لم أعد إلا لأعود إلى فلسطين). هذا هو سمير القنطار، المقاتل العربي الذي يرى أن (الحديث عن المقاومة في لبنان يعني أنك تتحدث عن فلسطين، وأن الحديث عن الفقراء في مصر هو التحدث عن فلسطين، بل ان الحديث عن عذابات المضطهدين والمظلومين في العديد من المناطق، هو الحديث عن فلسطين). ولهذا قالت عنه والدته (إن سمير، رمز للعروبة). ان تأكيد سمير على انتمائه للمقاومة بكل أشكال نضالها، العسكري والسياسي والاجتماعي، ماهو إلاّ وضع البوصلة في اتجاهها الصحيح. من هنا تأتي قدرة سمير المتقدمة على الإمساك بمجالات النضال المتداخلة والمتشابكة. وبذلك يتحول القنطار إلى حالة سياسية/ كفاحية عابرة للفصائل والأحزاب والطوائف والمذاهب والحدود المفتعلة . انه انتماء لفضاء كفاحي، أكبر من أن تؤطره التسميات المتداولة.

في قسمات وملامح سمير نسترجع ثلاثة عقود من الزمن، استشهد فيها من أشرف ودرب وخطط لهذا النهج الكفاحي المتميز . غاب عن حضور عرس الفرح، قادة وطنيون عرفهم شعبنا، وقوى أمتنا المناضلة . استشهد “أبو العباس” قبل خمس سنوات ونيف في سجون الاحتلال الأمريكي/الصهيوني في العراق. ورحل ” طلعت يعقوب ” قبل عقدين من الزمن تقريبا وهو يصوغ مع أبناء شعبه في جلسات المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر مهمات النضال الوطني. لقد فقد شعبنا وأمتنا، العديد من المناضلين الذين عرفهم سمير أثناء استعداده للعملية، وغيبت زنازين المعتقلات الأمريكية /الصهيونية عددا آخر منهم، ولكنهم جميعاً حاضرون في ذاكرة شعبنا وأمتنا.

مقال للكاتب محمد العبدالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *