تحت رحمة المخبر الداعشي

صوت النرويج / نينوى / خاص / توترت عضلات وجهه ومشى بخطوات حثيثة ليمسك برقبته، ابن الكلب تريد تعطي احداثيات الى داعش؟

في الساعة السابعة من صباح ذلك اليوم الشتوي بجدارة، سماء ملبدة بالغيوم و برد غير اعتيادي، رغم كل هذه العوائق الجوية قرر فريق الاغاثة الاستمرار في مسيرته الى مدينة الموصل. تحركت القافلة في السابعة و النصف و توجهت صوب مدينة اربيل، عند مفرق اربيل – الكلك بدأت القلوب بالخفقان، اصبحت المسافة لا تزيد على ثلاثين كيلومتر عن مسقط رأس المتطوعين.

تأخرت القافلة في عدة سيطرات امنية اوقف ضابط من البيشمركة القافلة في أحد النقاط و بدأ بالتفتيش الدقيق رغم كتاب الموافقة الذي كان في يده. ثم قال باستغراب:

لقد قاتلت البيشمركة لمدة سنتين و لم تتبرعوا لنا و لا حتى بقنينة ماء، و اليوم تتبرعون بالقوافل، لماذا؟

أجابه صديق لي ” نتبرع لهم بالماء و تبرعنا لكم بالدم” و سكت و أكمل رئيس الحملة:
أنا تبرعت بستتة شاحنات ادوية، و أخرج من جيبه كتاب تأييد كان يحمله معه صدفة.
فقال له الضابط، المتبرع طبيب و من أنت؟

أخرج رئيس الحملة هويته من جيبه و أثبت شخصيته. ارتفع حاجبا الضابط و قال

انت هو ؟ طبيب و ستذهب الى الموصل؟ أومأ الطبيب برأسه و تبرعت الحملة لهم بزيت الطعام.

فقال الضابط انطلقوا على بركة الله. سارت القافلة حتى وصلت منطقة الكوكجلي و بعدها انعطفت في الشارع الطيني و تعثرت خطى الشاحنات و سارت ببطأ شديد قبل أن تصل حي الزهراء و هنا بدأت ملاحقة القافلة بالعجلات الهوائية و الماطورات، عندما وصلت القافلة الى تقاطع المحروق كانت الشوارع قد تقشرت من الاسفلت. و سمات الدمار بدأت تلوح في الافق. كل مبنى مدمر كان يثير عواطف المتطوع زيد و عند تقاطع المحروق انهمرت دموعه حزنا من المشهد.

هنا تم اعلام الحملة بأنه يجب أن ننحرف القافلة باتجاه القادسية، لأن قناصي الدواعش بامكانهم أستهدافهم لو ساروا في الطريق الرئيسي الى مركز شرطة الزهور الذي كان يبعد عنهم بحدود ثلاثمئة متنر، لذلك انعطفت الشاحنات باتجاه القادسية الاولى و من ثم دخلت في الشارع المؤدي الى مستوصف القادسية محطتنا الاخيرة، و الذي يبعد عن داري و ذكريات طفولتي ليس أكثر من مئة و خمسين مترا.

يقول مدير الحملة ما أن توقفت الشاحنات حتى أدركنا أننا قد تعرضنا لعملية سطو على طول الطريق، كان هناك من تسلق على الشاحنات و فتح الغطاء و بدأ برمي المواد الغذائية من الشاحنات على طول الطريق. وهبط شاب يحمل في يده غالون الوقود و كأنه واحد من أشرس قطاع الطرق. لم يفلح الصياح عليهم و دعوتهم للتوقف، لذلك حمل بعض المتطوعين العصي لأبعادهم عن الفريسة.

بالرغم من أن عبور الشارع مابين الزهور الى القادسية أو المشراق يجب أن يتم ركضا و إلا فإن القناص واقف لهم بالمرصاد. وصل الينا عدد كبير من المتطوعين لتنزيل البضاعة من الشاحنات و توزيعها.

بدأت عماية التوزيع بعد ذلك. كانت القافلة تحمل الف و مئتان سلة غذائية، و و أطنان من المواد و الادوية و كراسي ذوي الاحتياجات الخاصة الخ من المواد الاغاثية. عملوا جميعا كفريق عمل متكامل.

لاحظ الفريق عدم وجود اهالي الموصل الاصلاء بين المتجمهرين فخرج بعض المتطوعين الى حي المشراق المقابل ليلتقوا بالعوائل التي تكاتفت فيما بينها، و قد وزعوا المهام فيما بينهم في الحي، خبز الخبز واجب احدى العوائل و جلب الماء واجب عائلتين و هكذا ويتم العمل بينهم بشكل دوري.

رغم نقص الموارد في الحي لم يفكروا بالتدافع للحصول على المساعدات. لذلك تم التخطيط لأيصال السلال المتبقية الى الاحياء البعيدة، بواسطة تراكتورات تم الاتفاق معهم من قبل وجهاء المنطقة. يقول السيد م. غ “هناك كثير من العوائل لا ترتضي الوقوف و التدافع في مثل هذه الطوابير، و هناك مرضى لا يسمح لهم وضعهم الصحي الوصول الى أماكن التوزيع”

المخبرين

يقول لي رئيس الحملة ” كنت خائفا طول الطريق من الدواعش الموجودين بين الناس. منظر الناس الذين لحقوا بنا طول الطريق كان يثير الريبة, شراويل و وجوه ليس فيها نور الله بعدما تمكننا من ابعاد السراق بالعصي و كنا مشغولين بالتوزيع وقع عيني على شخص مثير للريبة. وقف ليس بعيدا عني و بيده تلفون بسيط و سمعته يقول هم واقفين 50 متر يسار مركز الشرطة”

كلماته جعلت ناقوس الخطر يدق في رأسي، دفعت صديقي الواقف امامي مبهوتا من سلوكي و توجهت الى الواشي و أمسكته من رقبته وأخذته معي الى الداخل. لم يدافع عن نفسه لأنه كان موقنا بأنه قد أخذ بالجرم المشهود. قبل أن أسأله عن الاسباب وقعت القذيفة الاولى خلفنا. طلبت من زميلي الاتصال بالجيش ليأتوا بسرعة لنجدتنا لأنني شعرت أنه لم يكن وحيدا. اهتزت الارض بقذيفة هاون جديدة في الزهور. خلال اربعة دقائق كان الجيش بقربنا و نزل ضابط قد لوحته شمس الجنوب بسمرة جميلة، و لروحه حلاوة تمر العراق. شرحت له الموضوع باختصار فقال:

قمت بواجبك و سأقوم بواجبي. ثم قال مبتسما و مشددا

المعلومة وصلت اليهم، يعني راح يحتفلون بيكم بعدد من القنابل، لذلك أعتقد أن هذا المكان لم يعد آمنا بالنسبة لكم.

أفضّل أن ترحلوا من هنا. كانت اصوت سيارات الاسعاف مسموعة في المكان. فعلمنا أنه هناك مصابين من جراء القصف.

بعد التحية أخذ المشنبه به و غابت تلك الوجوه التي شاهدتها. ولم يمضي سوى دقائق حتى وقعت قذيفة على بعد خمسين مترا، عن موقعنا. شعرنا بخوف شديد و أيقننا أن المكان لم يعد آمنا.

أدركنا كذلك أن الوقت ليس في صالحنا فأرتأينا خزن المواد في مخزن المستوصف وارسالها الى الاحياء البعيدة عن طريق الوكلاء في اليوم التالي، يقول أحد المتطوعين كنت مدركا أننا سنكون في خطر لو حل الظلام و نحن لانزال في حي الزهور فطلبت من مدير الحملة الاسراع بالعودة.

أخذنا معنا خمسمائة رزمة ماء متبقية وزعناها في طريق العودة على النازحين المنثورين على طول الطريق و خصوصا قرب الحمدانية و بدأت رحلة العودة الى دهوك، و يقول مدير الحملة “أقولها صراحة أن ما قمنا به كان مجازفة لكنها كانت تستحق لنطلع على واقع الحال” رحب بنا صديقنا ضابط البيشمركة و مهنئا بسلامة العودة و تحدث زيد معه و للمرة الاولى بالكردية لنعلم أنه كردي، ذكرنا سلوك زيد بفسيفساء مدينة الموصل و التأخي الذي كانت تتسم به، و لم يوقفنا الضابط طويلا في طريق العودة الى دهوك.

هذه الزيارة جعلتنا ندرك أن رواسب الدواعش الفكرية لا تزال مغروسة في عقلية المدينة.

أدرك اليوم تماما كما كنت من قبل أننا نقف أمام مشكلة ايديولوجية و لن تحل لا الطلقات و لا الطائرات و لا كل صواريخ الكون هذه المعضلة، كما فشل كل سلاح العالم من قبل في حل ايديولوجية طالبان. نحن بحاجة ماسة الى حلول ايديولوجية من جهة تخصصية و الكف عن حلول الازمات الغير جذرية و المراهقات التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني التي وصفها السيد عصمت رجب بالشكل التالي:

“الا وهي ظاهرة منظمات المجتمع المدني والتي فاق تعدادها 200 منظمة الكثير منها تسمى منظمات ( جنطة ) أي رئيس المنظمة يجوب شوارع دهوك واربيل يبحث له عن مسؤول يسترزق عليه بمبلغ من المال بحجة مساعدة النازحين ، او يحصل على عدد من كراتين تحتوي على كمية من الارز والزيت والشاي وغيرها من المواد والتي تسمى ( سلة غذائية ) و كأن النازح لايحتاج في الحياة سوى على السلة الغذائية”

الموصل بحاجة الى حلول ايديولوجية و سياسية جذرية.

من المؤسف أن مدينة الموصل لم تدرك حتى هذا اليوم حجم مصابها ولم تدرك أنها بحاجة الى نهضة و ثورة على من تسبب في نكبتها، و لا تزال المراهقات السياسية سيدة الموقف.

خاص مجلة صوت النرويج

بقلم وتصوير : محمد سيف المفتي

منشورات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *