خاص : ساعات قبل الموت في الموصل

الوطنية العراقية – ونا / الخميس 08 كانون الأول 2016 / بغداد / في مخيم حسن شامي ثلاثة و يبدو أن حسن شامي سيحصل على كثير من الارقام. وصلنا المخيم المفتوح حديثا بعد رحلة استغرقت حوالي الثلاثة ساعات، بسبب التفتيش في السيطرات بالرغم من أن الفريق معه كتاب رسمي من الوزارة. خيام وخيام و وجوه بائسة وحائرة ونظرات حزينة. تيه حقيقي.

فريق من الأطباء، صيادلة و متطوعين متحمسين للعمل، و تبرع الكثيرين لشراء مواد غذائية حملت على شاحنة كبيرة بالاضافة الى سيارتين بيك آب احداها حملت حفاظات اطفال و حليب مع حفاظات نسائية والثانية كانت للادوية، بالاضافة لذلك كان معنا كراسي لذوي الاحتياجات الخاصة. كنت قلقا و أفكر في كيفية ابلاغ النازحين بخبر وصول الاطباء في هذا المخيم الكبير، قلقي لم يكن في محله، لازالت الاشاعات في بلادي تنتقل بسرعة البرق. خلال وقت قصير تجمع الناس في طوابير أمامنا. الاطباء عملوا أفضل ما بوسعهم لمساعدة المرضى و أخذوا باعتبارهم الاحتياجات النفسية.

ابلغنا العديد من المرضى بحزن و أسى أن شخصين من المخيم قد ماتوا لأنهم لم يحصلوا على الغسيل الكلوي في الليلة السابقة. كان حزنهم واضحا بالرغم من أن الموت بالنسبة لهم قد اصبح احدى مفردات الحياة اليومية، لكنهم شعروا بأنهم قد بلغوا بر الأمان في الاقليم و لهذا كان لخبر موت هذين الشخصين الناجين من داعش أثر مختلف.

الحاجة كبيرة و المواد محدودة

الباص اصبح صالة عمليات و أبواب السيارات تحولت الى عيادات هذا للجلدية و الثاني للباطنية و الثالث للنسائية.

هذا الطفل بقي متشبثا برقبة ابيه بالرغم من صعوبة الوضع كطوق نجاة له، و محاولاتي لأخذه جانبا باءت بالفشل. روح الطبيب الرائعة اعانتهم على تحمل الوجع و الخوف من الغد.

هذه الروح كانت السمة العامة لكل الاطباء، و هذه الروح كانت حاجة ملحة لكل المراجعين.

من المؤسف أنه لم يكن بالامكان المحافظة على الخصوصية، تجمع النساء أمام الطبيبة النسائية و شرحوا حالتهم أمام بعضهم البعض، الابتسامة العريضة و التفهم الذي اظهرته الطبيبة ساعدهن على الحديث بحرية مطلقة.

 

 

 

جولتي في المخيم

منظر الكراسي المتحركة و صعوبة حركتها لوحده يثير الشفقة قبل الاطلاع على قصة صاحبها.

بعض الاشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة كان حظهم أفضل من غيرهم، لأنه لديهم مرافقين قادرين على استخدام عضلاتهم لتحريك هذه الكراسي على الطرق الطينية و الطرق الغير سالكة لمسافات طويلة.

وقسم آخر كانوا غير محظوظين بالمرة مثل هذا الرجل الذي جذب انتباهي، كان جالسا في كرسيه المتحرك بدون حركة لساعتين، توجهت اليه و نظرت ملياً في خيمته الفارغة. بعد التحية سألته عن سبب جلوسه ثابتا في محله لمدة طويلة أجابني بانكسار.

انا انتظر.
ماذا تنتظر؟
اذهب لقضاء حاجتي.

حظه العاثر وضعه في الباص الخطأ، أثناء جلائهم من الحي الذي كان يسكن فيه، بعدما بدأت داعش بقصف الحي وصل الى المخيم بعيدا عن كل معارفه و عقب قائلاً :

ليس لي احد هنا و الخيمة فارغة. كل ما استطعت أن اساعده فيه أنني سألت جيرانه إن كان بامكانه تقديم العون له عند الحاجة. فأجابني بكل تأكيد سأفعل. كان الجو باردا ولم يكن لديه من الملابس سوى ما يرتديه.

كنت أتمنى لو كانت هناك وسيلة لتأجيل نداء الطبيعة، لأنه مع كل نداء سيعاني هذا الرجل عناء لا تصفه الكلمات.

فجر انتحاري نفسه على على الشاب المنتسب للشرطة، تفرغت عيناه و اختل عقله قال اباه و الدموع في عينه :

ابني بحاجة ماسة الى حقنة يأخذها كل خمسة عشر يوما. توجهنا معا مباشرة الى فريق الاطباء و كنت موقنا بأنهم سيتمكنون من من الحصول على العون المطلوب، عائلته كانت تشعر بالخوف مع قرب موعد الحقنة، لأنه في حالة عدم أخذه للحقنة فللأمر عواقب طبية واجتماعية ستحرج العائلة أمام الناس. أجابنا الاطباء مع الاسف الدواء غير متوفر.

هذا الجواب نزل كالصاعقة على رأس العائلة، فتدخل رئيس الحملة ووعدهم بتوفير الدواء في الزيارة المقبلة.

المصابين بالصرع هم فئة ليست بالقليلة و الدواء كذلك غير متوفر، معاناتهم و معاناة عوائلهم في هذه الظروف الغير اعتيادية لا تصفها كلمات اعتيادية فهي فوق مستوى قدرتنا على الاستيعاب :

 

المخيم

اشك بان تكون هذه الخيم وفق مواصفات الامم المتحدة، لا توجد ارضية لها و المطر يترشح من خلالها. خيم لا تقي الناس لا من البرد و لا من المطر. هذا الأمر اضطر كثير من العوائل أن تقضي الليل في خيمة أخرى، بعض الخيم حصلت على قطع كبيرة من النايلون غطت خيمها بها، ابلغتني احدى العوائل انها قضت الليلة السابقة مع خمسة عوائل أخرى في خيمة واحدة.

رغم صعوبة الوضع ابدى الاغلبية امتنانهم للجيش العراقي و البيشمركة على حسن التعامل، و التعاطف معهم.

وابدى كثيرين امتعاظهم للتشدد في القيود الامنية في المخيم و قالوا أنهم يشعرون أنهم محتجزين في هذه المخيمات. وقال آخرون أنهم يشعرون أنهم مساجين.

 

 

 

الساعات الاخيرة في الموصل

ناداني رئيس الحملة لأسمع قصة رجل كان يعمل حثيثا لنقل الحفاظات، التفت الي رجل و كان في الاربعينيات

و قال و الله أربعة.

لم أفهم ما كان يقصده فسألته أن يوضح لي فقال بدون أي تعبير في وجهه.

دفنت اربعة في حديقة البيت و من ثم غادرت. بما لا يقبل الشك أنه لم يكن يشعر بحجم الوجع الذي سيفيق عليه قريبا.
و ما أنهى كلامه حتى طلب علبة حليب و عندما حصل عليها ابتسم ثم تجهم وجهه و خنقته العبرات و غادرنا صامتا.
أثناء تجوالي في المخيم التقيت بعائلة مكونة من رجل و أمرأة و ثلاثة أطفال. كان الرجل يعمل بهمة لكي يحمي خيمته من المطر.

بمجرد أن بادرت بتحيته قال لي بحسرة و تحدث تلقائيا و بدون توقف :

أنا متعب جدا. كنا نسكن في حي البكر و كنا مسرورين بالتحريرو لنا علاقة طيبة مع الجيش الموجود في المنطقة. نمنا في الليل و كل الامور كانت على مايرام. استيقظنا بعد منتصف الليل على اصوات اطلاق النار. و صوت الدواعش يدوي في الحي اذبحوا اصحاب الرايات البيضاء و اسبوا نسائهم” اجاب نظرتي المستفسرة فقال موضحا أنا من اصحاب الرايات البيضاء لأنني حملت علما ابيض و استقبلت الجيش مرحبا. أجهش بالبكاء و اعتذر مني لبكائه و استرسل في الحديث، أمر خارج عن ارادتي لدي وجع في ظهري و اقدامي لا يوصف.

أخذت ابي المسن و أمي معي في تلك الليلة و خرجنا، كان الشارع مليئا بعلب فارغة ما أن نلمس أحدها حتى يبادرنا القناص بطلقة. لم نمت لسبب واحد هو أن الله لم يرد ذلك. حملت أبي على ظهري تارة أحمله كشوال و تارة أحمله كما تدربنا في الجيش.

طلب مني والدي عدة مرات أن اتركه و أهرب. لم أكن أتصور أنني سأصل الى المخيم حياً.

و أخيرا جاءت هذه الفتاة الصغيرة لتأخذ الحليب لها و لأخوها الصغير. سألها الطبيب من معك قالت فقط والدي و هو لا يستطيع الحركة، نائم في الخيمة و أشارت الى المدى البعيد و قالت هناك. و أين أمك أجابت بحسرة.
لا أدري.

 

العنف

العنف هو جزء من الحياة اليومية و يمارس بعفوية ام تضرب اولادها و الزوج عنيف تجاه زوجته و الاطفال عنيفين مع بعضهم البعض من المؤكد نتيجة الظروف التي عاشوها، حتى لعب الاطفال يتسم بالعنف. هذا الأمر يتطلب الكثير من العمل و التوجيه.
تمكنت من اصلاح العلاقة بين زوجين و جارين و لم يتطلب الأمر مني الكثير.

في خضم هذه الاحداث و تعاسة الاوضاع، قابلت الكثيرين ممن اعربوا عن سعادتهم لأنهم تخلصوا من داعش.

تمكنت جمعية يزيدية مكونة من عدة اشخاص من ادخال البهجة الى قلوب الاطفال، المتطوعة تمكنت من تفعيل نشاطات لـ اربعة و ثمانين فتاة و المتطوع تمكن من اقامة دوري لكرة القدم للاولاد، لم تتوقف النشاطات ولا ضحكات الاطفال طيلة فنرة وجودي و تمكنوا من فعل ذلك بأقل الامكانيات. الاجهزة و المعدات التي كانت معهم هي ثلاثة كرات لا أكثر من ذلك و لا أقل. الارادة تخلق المستحيل.

أثبتت المبادرات الشخصية من مدينة الموصل أن هذه المدينة لم تزل مدينة حية و فيها كثير من الرجال و النساء و الشباب من الاولاد و البنات تطوعوا للعمل و عدد كبير من المتبرعين ساهموا في نجدة أهالي المدينة، و شاهدت الكثير من المنظمات العاملة و المدعومة من قبل أشخاص، كل هذا ان دل على شيء فإنما يدل على أن الانسانية لا تزال على قيد الحياة.

أما بالنسبة للموقف العراقي و العالمي فهو لم يرتقي الى مستوى المحنة و خصوصا أنه كانت هناك تحذيرات تشيبر الى أن عدد النازحين سيصل الى حدود المليون، و العدد لحد الآن لم يصل الى عشر العدد المتوقع.

و الحقيقة أن الاقليم فتح الابواب للنازحين وقدم لهم العون على قدر طاقته، حينها قدم الاكراد الكثير لأخوتهم العرب، و صرحت رئاسة الاقليم أن العرب هم ضيوف الأقليم. أما اليوم فأن الاقليم يمر بأزمة اقتصادية خانقة.

فماذا انت فاعلة يا حكومة العراق؟

مجلة صوت النرويج
خاص : وكالة الانباء الوطنية العراقية – ونا
التصوير والاعداد : محمد سيف المفتي

منشورات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *