قصة اليوم : صرعة الحلم بقلم القاص محمد سيف المفتي

مجلة صوت النرويج / أوسلو / في تلك البناية الحمراء الوحيدة الملقاة على سجادة الثلج البيضاء الممتدة على طول المدى في أقصى شمال النرويج، هناك حيث الثلوج الكثيفة قد برقعت الجبال الشاهقة بوشاح ناصع البياض، في الصالة الرئيسية في ذلك المركز التأهيلي المهجور للمرضى النفسيين على كتف جبل مورانا، والذي تم تحويله الى مركز استقبال للاجئين، صالة بسيطة الأثاث جلس الرجال والنساء عشوائيا في زاوية الصالة القلق هو السمة الاساسية المرسومة على وجوه الجميع، بانتظار جلسوا ينتظرون مدير شرطة البلدية ليحدثهم عن النظام القضائي في النرويج في اجتماع من ضمن الاجتماعات المقررة لإعطاء المعلومات للاجئين الجدد.

جلس المحامي رفعت المحمود ذو الخمسين عاما، بعويناته الكبيرة و شعره الأشيب، كان من افضل المحامين في بلاده لانه يعلم تماما كيف يرشي و يرتشي، كان يناقش الحاضرين فيما قضى عمره فيه، القضاء و الشرطة ، و الجالسون كانوا من حملة شهادات و خلفيات مختلفة وأفكار مختلفة و احلام مختلفة هاجروا الى بلد جديد محملين بأحلام وردية تراقصت امام اعينهم حتى وصلوا هذا المبنى البعيد فجلست احلامهم لتستريح بعد ان طالت الرقصة، لم تفارق وجوههم الشباك المطل على الشارع، منتظرين وصول مدير الشرطة الذي عقدوا الكثير من الآمال على حضوره و صوروه بالبطل المنقذ، و عند الساعة الثامنة عشر و هو موعد بداية الجلسة، قال احد الحاضرين.

– لا يحترمون مواعيدهم

وتعالت أصوات الحاضرين يناقشون تأخر حضوره وينتقدون كل النظام لعدم احترامه مواعيد مقابلات اللجوء و تقاعس النظام في تلبية احتياجاتهم، و عدم حصولهم على الإقامات رغم انتظارهم لعدة اشهر، و ارتفعت الأصوات بما يشبه الشجار، وفجأة دفع الباب و دخل عليهم رجل طويل القامة اشيب الشعر يرتدي الزِّي الرسمي و على كتفه و صدره الكثير من النجوم و النياشين، ولعقدة الشرقي من النجوم و النياشين ساد صمت عميق، كسر الشرطي ظهر الصمت بصوته المعدني العريض، مرحبا باللاجئين في بلده النرويج و متمنيا لهم الراحة و الأمان في هذه البقعة النائية.

بدأ مدير الشرطة بالتعريف بنفسه فقال نيكولاس و لم يزد ثم أخذ يشرح النظام الملكي منذ نشأته و كيف تم استيراد ملك للنرويج من الدانمارك و من هم الملوك السابقون ومن هو الملك الحالي و متى جاء الى الحكم و تحدث بعد ذلك عن مدى حب الشعب له و مدى قربه من الشعب.

طرقت فكرة رأس المحامي و في لحظات فكر في عمله و بمعظم المرافعات الرنانة التي هز فيها قاعات المحاكم ليكسب قضاياه. تنغع بصوت عالي وقال ساكتب له عريضة… وإذا تكرمت علينا فأرجو منك ايصالها اليه، سأطلب كذلك مقابلته، وابتسم ابتسامة عريضة و هو يقول لمدير الشرطة سأذكر للملك مزاياك و خصالك الجيدة و كيف تعاملت برقي مع اللاجئين لترفع اسم بلادك عاليا بين الامم، والتفت بعد ذلك الى الحاضرين و رفع صوته مسترسلاً، سأتحدث فيها عن ظروفنا وظروف اللاجئين الموجودين في هذه المنطقة و عندما أقابله ساحدثه بالتفاصيل، قبل ان يكمل كلمته كانت الغيرة قد أكلت رأس الكثير من الحاضرين و كانوا راغبين بمقابلة الملك شخصيا، فنهض المهندس حسين الشهرباني ووجه كلامه للمترجم، لا تترجم ما اقول، و هتف بصوت جهوري أنا أستطيع اقناع الحجر، دعوني أقابله نيابة عن الجميع، و نهض شخص ثالث و رابع مطالبا بتمثيل البقية أمام جلالة الملك.

لم يتوقف المترجم عن الترجمة و سمع الحاضرون ضحكة صاحب الصوت المعدني، فسكتوا بينما كانت نظراتهم تلتهمه لتستكشف سبب ضحكته.

أشار لهم بيده وطلب منهم الجلوس وخنق ضحكته اشفاقا على أملهم حديث الولادة. و استرسل قائلا الأمر ليس بيد الملك.. الأمر بيد الدولة، و الدولة تعني القانون. تبسم القصاب ياسر صبر جولاق ونهض بقامته القصيرة و حاجبيه العريضين و المعقودين فوق عيونه، وقال أليس الملك هو القانون؟ صحيح أنا قصاب لكني أعرف كل شيء. اجابه الشرطي وقد وصل حاجباه الى اعلى جبينه:

لا الملك ليس القانون. فضحك المهندس حسين الشهرباني على هذا الجواب واعتبره استخفاف بهم و بعقليتهم فقال بعد ان رفع صوته على غير عادته : الملك كل شيء فأجابه الشرطي مبتسماً: الملك هو ختم البرلمان يختمون به قراراتهم. ردوا له ابتسامته بابتسامة سخيفة تليق بحق من يستخف بهم.

طال النقاش بهذا الخصوص فطلب المحاضر أخذ استراحة لتناول القهوة و دارت احاديث كثيرة حول اللاجئين و القوانين و التطبيقات القضائية، وقال لهم ان الموضوع التالي الذي سيرشحه لهم يتعلق بالمحاكم و طريقة النظر في القضايا و تقييم الأدلة.

اصيبوا جمعية بخيبة امل بمدير الشرطة الذي يبدو أنه لا يرغب بمساعدتهم.

شعر الحامي رفعت المحمود بسعادة غامرة لان هذا الموضوع هو ميدانه الحقيقي و سوف يفحم الشرطي بادلته و ذرائعه و قرائنه، بدأ الشرطي نيكولاس يشرح النظام القضائي و انواع المحاكم و تقييم الأدلة و رفع نبرة صوته و هو يقول بأن المحكمة يجب ان تكون متاكدة الى درجة اليقين من ان الجاني قد اقترف الجرم الذي تم اتهامه به و هو مدرك انه قام بعمل يعاقب عليه القانون، و ان كل الأدلة و القرائن التي فيها اي شك عقلاني يجب ان تترجم لصالح المتهم و في النهاية فإن مسؤولية إثبات الجريمة تقع على عاتق النيابة وواجب إثبات براءة المتهم لا تقع على عاتقه..

ضحك الجالسين مستخفين بالمعلومة. و بدات التعليقات تنهال على الشرطي من كل صوب.

– و لهذا تزداد الجرائم عندكم.
– هذا يعني لا يوجد احد يُحكم عليه. تبعتها قهقهة مكبوتة
– يعني لا يوجد عقاب في هذا البلد. أشار الشرطي اليهم طالبا الهدوء. و قال بصوت ثابت.
– ٩٩ مجرم يخرج بريء و لا بريء يحكم ظلما.

شعر رفعت انه أمسك به بنقطة ضعف حقيقية، و عقب قائلا

– إذن معظم الشعب يجازف و لا يخافون السجن.

قال الشرطي بصوت راكز و ببطأ. فقدان الحرية اكيد امر يستدعي الخوف، لذلك الأحكام غير مجحفة
اجابه المهندس اذن كل من يدخل السجن يعود اليه، أليس كذلك؟ و ضحكوا جميعا مستهزئين.

أجابه بنبرة تسترعي الانتباه: لا يا سيدي في هذا البلد عندما تقع جريمة فإننا نبحث عن الجاني و لا يعذب احد و لا يختفي عدد لا حصر له من البشر وراء الشمس، و اذا كانت الضحية شخصية مهمة فهذا لا يعني ان نجد جانيا باي ثمن كان، ورفع صوته وقال في مؤسستنا الإصلاحية نادرا ما يعود احد اليها. نزيل المؤسسة لديه غرفته و تلفازه و لديه برنامج تأهيلي ثقافي و مهني، بالاضافة لنشاطاته الرياضية … التفت رفعت الذي كان يجلس في الكراسي الأمامية، و قال لهم : يا جماعة هذا الكلام عن السجن مو فندق خمسة نجوم، يعني أبو غريب و بوكا…. ساد صمت غريب حتى بدأ رفعت يضحك ضحكات متقطعة مكبوتة، لينفجر الجميع بعدها بالضحك حد البكاء، وبقيت نظرة الذهول مرسومة على جبين الشرطي فسأل نيكولاس عن ما يضحكهم، وسمع الجواب من كل أركان الغرفة: لا شيء لاشيء.

عندما عاد نيكولاس الى داره أخذ كأسا من الويسكي و سيجارة بالرغم من انه كان قد ترك التدخين و جلس لساعات يفكر، ورغم انه دخن السيجارة الخامسة و الكأس الثالثة لكنه لم يكتشف الخلل الموجود في النظام القضائي الذي جعل اللاجئين يضحكون من المؤسسة القضائية النرويجية حد البكاء.

ثم قال لنفسه يا لجمال اخلاقياتهم، لم يذكروا الخلل في نظام بلادي لكي لا يجرحوا مشاعري، و نام قرير العين.. بينما بقيت عيون من تحدثوا معه مفتوحة تشتكي الغربة و المجهول في غرف مظلمة تفكر بغد يرفض القدوم.

مجلة صوت النرويج

قصة للقاص محمد سيف المفتي

منشورات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *