مقال اليوم : روح الشعر بقلم الكاتب هادي الحسيني

مجلة صوت النرويج / مقال اليوم / لم تتسع الساحة الادبية العربية عامة والعراقية خاصة في السابق الى العديد من الشعراء، كانت ثمة ضوابط وصعوبات وعقبات كثيرة تواجه الشاعر الامر الذي يصعب عليه نشر نتاجه، الشعر في السابق كان ينشر ومن ثم يقرأ بعد أن يكتب ولهذا فان الشاعر يظهر ويبرز ويؤشر على حضوره من خلال نشره في صحيفة او مجلة تقرأها النخب الادبية والسياسية والفنينة فكانت الصحف معدودة على اصابع اليد الواحدة، او المهرجانات التي تقام داخل الوطن وخارجه.

وبروز بعض الشعراء عن طريق انظمة شمولية كانت تحكم العراق والدول العربية انظمة تتفاوت بدكتاتورياتها، كل هذه الامور ساعدت بشكل كبير قبل اكثر من نصف قرن من الزمان على بروز بعض الاسماء الشعرية، برزت واشتهرت اسماءها عبر قصيدة او قصيدتين كان الشاعر قد قرأها في مهرجان ما، ومن ثم توارى عن الانظار.

مثل هكذا شعراء لا يمكن لهم الصمود داخل الساحة الشعرية ويصعب عليهم مواصلة المسير في طرق الابداع الوعرة ولهذا تلاشت اسماءهم وظلت تعيش على امجادها القديمة.

لكن بالمقابل ثمة اسماء استمرت بتفوقها الشعري الابداعي على المستويين النشر والقراءة ولعل الجواهري ونازك والسياب والبياتي واحمد شوقي ومحمود درويش وادونيس ونزار قباني وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر وغيرهم الكثير دليل واضح على ذلك.

في تلك الفترة الذهبية كانت الالقاب تطلق على بعض الشعراء فكان الجواهري شاعر العرب الاكبر، لم يأتِ لقب الجواهري من نظام او مؤوسسة انما جاءت تلك التسمية عندما زار القاهرة في منتصف الخمسينات وقرأ قصيدة عن مصر بحضور عميد الادب العربي طه حسين الذي انبهر لقصيدة الجواهري وللحوار الذي دار معه حتى قال له اثناء الحوار: أنك شاعر العرب الاكبر بدون منازع. وقد لقب شوقي بأمير الشعراء، وكانت تلك الألقاب تعطي الدعم والقوة للشعراء في تطور تجربتهم الشعرية نحو الافضل.

اليوم ومنذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن لم يظهر على الساحة الشعرية العربية شاعر كبير بحجم ما ذكرته من الاسماء اعلاه، لكن بالمقابل ظهرت اعداد كبيرة تضاعف اعداد الشعراء القدماء الذين رحلوا عنا او ما تبقى منهم على قيد الحياة حتى يومنا هذا. شعراء واجيال شعرية اتجهت الى مواصلة المسيرة الشعرية العراقية والعربية الحافلة بالانجازات الكبرى على مستوى التجديد والتجريب واحياء روح الشعر بقوة بعد ان حاول بعض النقاد تهميشه في السنوات الماضية وتصدر الرواية للمشهد قبل الشعر الذي كان ديوانا للعرب، كذلك كتابة القصيدة الحديثة التي استسهلوا فيها الكتابة النثرية وقد تناسوا ان قصيدة النثر اشد صعوبة من القصيدة العمودية وحتى من قصيدة التفعيلة التي بدأتها نازك الملائكة، وهؤلاء قد توارى عن الانظار بعد ان جربوا النشر بسرعة فائقة، بالمقابل هناك اعداد كبيرة ايضا من الشعراء الناضجين والكبار مازالوا يكتبون قصيدة ذات وعي عالي وذات ذائقة ترتقي الى الانسان وهمومه الكثيرة في هذا الزمن المّر، وقصيدة تنافس في جوهرها ومضومنها الشعر وتخبطاته في الساحة العالمية وقد تتفوق عليه.

لكن الشعر اليوم اصبح ينشر اكثر مما يكتب على العكس ما كان عليه في السابق، وبهذا اصبح النقد العربي يؤشر على هذا الشاعر وذاك من خلال نشر نصوصه في بعض المجلات والصحف العربية.. كما وان التطور التكنولوجي وعالم الانترنيت جعل من العالم مقهى صغير، امور كثيرة مشابه الى هذه العوالم الجديدة دخلت الى عالم النشر والابداع كلها جعلت من الشاعر ان يظهر نتاجه بسرعة فائقة ..

اليوم نحن في زمن جديد وتفكير جديد وتطورات جديدة ايضاً، ومهمة الشاعر هي ذاتها التي كانت في السابق لم تتغير، الذي تغير فقط هو الزمن الذي اصبح يؤشر على النص الشعري الجيد، ولا يهمه ان يكون هذا شاعر كبير وذاك شاعر غير معروف الاسم، اليوم القصيدة الناضجة والنص المتفوق هو المفتاح الرئيسي لبروز اسم شاعر ما في سماء الابداع، لهذا فالشاعر الحقيقي مرتبط بنصه الشعري الذي يرتبط ارتباطاً وثيقا بروح الشعر.

مجلة صوت النرويج

مقال اليوم
روح الشعر
بقلم : الكاتب هادي الحسيني

منشورات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *