قصة اليوم : حمار في ذاكرة مدينة بقلم سعد محمد موسى

صوت النرويج / مالبورن / في حدائق- (كولنك ووّد) والتي لن تبعد كثيراَ عن مسكني كنت أتمشى ذات صباح ربيعي بمحاذاة (نهر يارا) فأستوقفني حمار كان يتطلع الى معجبيه من وراء أسوار مزرعته الخضراء الكبيرة والتي تمتد نحو ضفاف النهر وهو يقضم تفاحة والاطفال كانوا منهمكين باغرائه بالايس كريم وبالفاكهة وضحكاتهم تتعالى مشاطرين بهجة الحمار الذي يدعى ( ميكي).

الحمار السعيد كان يلهو بفرح شديد ويتودد بالاقتراب من فتيات ملبورن الشقراوات وهو يشم ويعانق صدورهن وينام على اكتافهن كطفلٍ مدلل.

بينما العشاق والازواج ينتظرون دورهم أيضا في الطابور لالتقاط صوّر تذكارية مع الحمار وكأنة نجم سينمائي من مشاهير هوليود ومزرعته تبدو وكأنها مزار يؤمها محبيها.

كنت واقفاً في الطابور القصير وحين وصلت الى بوابة المزرعه وعلى مقربه من الحمار المحظوظ التقطت له صورة مثل اي معجب اخر .. وتأملت عميقاً في عينيه حينها اخذت بي الذاكرة وشعرت بالحزن وانا اتذكر الحمير البائسة والمعذبة في مدينة الناصريه.

لاسيما (حمارعويد الاعمى) الذي اخترق سماء الذاكرة واختزل تضاريس الزمن، حمار رمادي هزيل موّشم بسخام الارصفه وجسده خارطة المدن التي غمرها الملح والتراب.

وتذكرت ايضاً وقفاتة القصيرة عند منعطفات الازقة والشوارع وهو يهش الذباب بذيله عن جراحات ظهره المدماة التي سببها العمل الشاق والسرج الثقيل ووثاقه الجلدي القاسي.

اعتاد اهل المدينة على مشاهدة حمار عويد الاعمى يجر بخزان طويل اخضر معبأ بالنفط وهو يمخر عباب الشوارع والازقة الخرافية كسفينه متهالكه اتعبتها الرحلة الطويله ابتداءً من شارع 19 الى شارع عشرين ثم الحبوبي والشرقية.

وحسب خبرته الطويله في عمله اليومي الشاق كان يتعرف بسهوله على بيوت الزبائن ويعرف البراميل وصفائح النفط الفارغه يشمها احيانا ويرفسها احيانا اخرى حين يضايقه أطفال المحلة النزقين ويتذكر عتبات البيوت والشوارع والوجوه ايضاَ وحين يتوقف بعربته امام المنعطفات الضيقة او الدرابين يَهمّ الناس حاملين براميلهم لملئها من صنبور خزان العربه.

وكان الحوذي عويد الاعمى عادة ما يتربع فوق حافة الخزان ويجلس على وسادة وسخه منادياَ بصوتة الاجش – نفط ….نفط… نفط ثم يتقاضى الاجور من الزبائن بعد ان يعبئوا ما يحتاجونه من وقود.

لم اتخيل أية قوة وصبر يتحملها هذا المسكين حمار عويد لاسيما وهو يجر عربة تزن أضعاف حجمه اضافة لحمله لسيده واحيانا يجلب عويد ابنه الصغير ذو الخمسة اعوام يجلسه بقربه فوق الخزان في رحلة النفط الشاقة.

حمار عويد كان معروفاً في المدينة لكن شهرته مختلفة عن شهرة حمار كولنك وّد ، فالاول عرف بشقائه وعطائه وهزال جسده والثاني عرف كحمار كسول ومدلل وسمين.

في كل فجر يجر حمار عويد عربة النفط الفارغة والتي تجعجع مع رنات اجراسه المدلاة من قلادة تحيط برقبته موقظةَ المدينة. ثم يعبر الجسر نحو الجهة الاخرى قاصداَ محطة تعبئة الوقود (البانزين خانة).

بعدها يعود الى المدينة مثقلاَ بالخزان الذي يطفح منه النفط الابيض.

وبعد رحلة توزيع النفط على بيوت الزبائن.

يعود الحمار متهالكاَ كرب اسرة مسؤول عن عائلة كبيرة.

وفي ساعات الراحة القليلة التي يتلقاها في زريبته اول طقس كان يقوم به الحمار هو اطلاق العنان لنهيقه في فضاء المدينة المنهمكه باعداد العشاء والوضوء قبل اذان المغرب بدقائق.

جميع الناس اعتادوا سماع صوت حمار عويد الذي ينم عن مناجاة وتشكي في ثنايا المدينة المنسية والمستلقية على ضفاف نهر الفرات الطويل والمعمد بالابوذيات والخيبات وهو يشطر المدينة الى نصفين.

كان نهيق حمار المدينة المتعارف عليه والدقيق في توقيتاته من كل مساء وكأنه دقات ساعة (بنج بن) اللندنية.

في احدى المساءات الغريبة والتي خلت من نهيق الحمار ..خلفت قلقاً وتساؤلاَ لدى اهل المحلة القريبين من بيت عويد المتهاوي ،استغرب الناس اختفاء صوت المحلة الذي اعتاد الناس على سماعه وبات كتقليد يومي من سمعيات المدينة لاسيما في شارع عشرين وشارع 19 ومنذ سنوات.

ثم تعالى آذان المغرب في هذا المساء الموحش دون أن يسبقه شجن حمار المدينة.

بدافع الفضول والقلق عدوت بسرعة من دارنا الواقعة في شارع عشرين نحو بيت عويد في الشارع الاخر المحاذي لشارعنا كي أستشف الامر!!

وحين اقترابي من بيت عويد، تفاجأت بمرأى عويد جالساَ القرفصاء فوق عتبة داره الموحشه وهو يجهش ببكاء طويل ومرير كآهات أبوذية شجية تشج أْجمة القصب وهو يرتلهاعلى روح رفيقه الذي ارتحل قبل لحظات، حينها عرفت ان الحمار قد رحل الى الابد.

غادرنا الحمار وترك عائلة عويد الاعمى والمدينة الشقيه التي كانت تنام في عينيه رحل الى مدن سماويه بعيدة فعسى ان يجد فيها ثمة مزرعة خضراء وسلام واطفال وآيس كريم وصبايا يداعبن رموشه الحزينه.

الكاتب : سعد محمد موسى
الصورة : رسم سعد محمد موسى

منشورات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *