قصة اليوم : الكلب الاحمر … البطولة والاسطورة بقلم سعد محمد موسى

صوت النرويج / اوسلو / البطولة والاسطورة لم تكن مقتصرة او تتجسد بشخصية الانسان فقط في هذا الوجود ، بل أن بطولة وأفعال بعض الحيوانات العفوية والصادقة.. تستحق الخلود أيضاً

حين زرت قرية (دامبير) الواقعة في أعماق غرب استراليا مررت امام النصب التذكاري للكلب الاحمر النبيل.. بعد ان حدثني عنه بعض سكان القرية النائية.

حدثت القصة المثيرة والواقعية في تلك القرية، التي تتواجد بها مناجم الحديد والذهب والتي كان يقصدها عمال استراليين وعمال هاجروا من أوطانهم يحدو بهم حلم البحث عن الثراء في تلك القارة البعيدة.

عاش الكلب الاحمر وسط عمال المناجم المنفين في الرمال الشاسعة كرفيق وحيوان ذكي وساخر يثير الضحك بمقالبه ومكائده وهو يمتلك من العفوية والطيبة جعلت من كل عمال المناجم يتقربون اليه ويتمنون صحبته.

كان الكلب يلتقي كل مساء مع العمال في الحانه التي يسهرون بها وهم يكرعون البيرة ويتبادلون النكات والشتائم، وكان الكلب أيضاً يزور العمال في بيوتهم ويرافقهم الى العمل ويشاكسهم، حتى إن العمال في احدى الليالي قد إتفقوا على منح الكلب الاحمر عضوية الانتماء الى إتحاد نقابة العمال، وقد إقاموا له احتفال في الحانة التي حملت اسمه فيما بعد.

للكلب الاحمر مآثر وبطولات يتذكرها الناس، من ضمنها أنه أنقذ عامل محبط حاول الانتحار في الساحل المتاخم لمنطقة دامبير بعد أن فقد زوجته. حيث قفز الكلب الاحمر حين رآى الرجل تأخذه أمواج المحيط الهندي، ثم غاص الكلب في الاعماق وحاول وبكل جهدٍ ومهارةٍ ان يرفع جسد الغريق الى الاعلى حتى وصل فيه الى سطح الماء .. ثم دفعه الى الساحل الرملي .. ثم جرى الكلب بسرعة الى رفاقه وهو ينبح فتبعوه كي يدلهم على الغريق الذي انقذه .. فاجرى العمال الاسعافات الاولية للغريق .. واستعاد انفاسه .
شكر الغريق الكلب.. بعد ان منحه الامل والحياة والهواء وقرر ان لايسمح لفكرة الانتحار ان تعاوده مرة أخرى.

إحتفل العمال بسلامة عودة صديقهم واحتفوا أيضاً ببطولة الكلب الاحمر، بعد ان بات رمزاً للوفاء.

كان الكلب يتنقل مابين بيوت العمال وبيت صاحب المطعم والحانة.

لكنه في الاونة الاخيرة اختار ان يستقر مع رفيقه “جون” والذي كان يعمل سائق باص لنقل عمال المناجم، حيث كان الكلب عادةً مايتخذ المقعد الامامي مكاناً له أثناء رحلاته مع جون لنقل عمال المناجم من بيوتهم الى مكان عملهم.

وكان بعض العمال يشاكسونه حين يحتلوا كرسيه الامامي في الباص .. فياخذ بالنباح حتى يطرد اي شخص يتقرب لمكان الصدارة.

في إحدى الصباحات همّ جون بصعود دراجته البخارية، وقد لحقه الكلب الاحمر الى باب الدار، فأمره جون أن يبقى في الدار حتى عودته غداً في الصباح القادم.
بقيّ الكلب وحيداً وحزيناً هذا اليوم ولم يذهب الى الحانة او لقاء الاصدقاء.

جاء الصباح الاخر ولم يعد جون، وبقيّ الكلب ينتظر امام باب الدار ثلاثة أسابيع أملاً في عودة الرحيل، لكن جون لم يعد، وكان إستمرار الانتظار عبثاً، لان جون قد مات بعد ان تعرضت دراجته لحادث اصطدام مع كنغر أثناء عبوره الشارع المظلم والفارغ.

حزن الاصدقاء كثيراً حين تلقوا الخبر لاسيما وأن جون مازال يعيش شهر العسل مع زوجته الجميلة التي تعرف عليها لدى مجيئها للعمل كموظفة استعلامات في منطقة المناجم، وشاطر جميع العمال حزن الكلب.

حاولت ارملة جون ان تدخل الكلب الى المنزل وتهتم به بعد ان بان عليه الهزال .. لكنه رفض الدخول الى الدار ورفيقه غائب.
وحين يأس الكلب من عودة سيده، برح القرية وراح يبحث عن جون في القرى الاخرى وقرب السواحل والمدن في غرب استراليا ثم إستمر غياب الكلب عدة اسابيع.

وحين أضناه البحث عاد منهكاً وجائعاً الى بيت أرملة جون. عانقته الارملة وبكيا سوية.

إحتفل العمال بعودة الكلب الاحمر ، لكن الكلب بات هادئاً يميل الى الوحدة والعزلة بعد رجوعه من رحلته الاخيرة!!
في إحدى الايام التي حملت صدمة أخرى للعمال ولسكان قرية دامبير بعد أن عرفوا إن الكلب الاحمر قد تعرض لاصابة تسمم شديدة فبات الكلب منهاراً وواهناً ولاأحد يعرف من هو المتهم بإعطاء الكلب هذا الطعام المسموم نقل العمال الكلب الى غرفة خلفية في الحانة.

حضر البيطري مرة أخرى وبعد فحصه لحالة الكلب الصحية، أخبرهم ان حالته ميؤس منها.

وقد رفض البيطري إعطاء مصل النوم للكلب للقضاء على حياته.

وأيضاً رئيس شرطة منطقة دامبير رفض إطلاق رصاصة الرحمة على رأس الكلب الاحمر فالجميع كان يرفض فكرة موت صديقهم الكلب
بقى الكلب الاحمر يحتضر وجميع رفاقه يعتريهم الحزن والالم.

وفي الليلة الاخيرة جاء البيطري الى غرفة الكلب فلم يجده، ثم توجه البيطري الى صالة الحانة وصرخ بالعمال “الكلب الاحمر اختفى من المكان” إندهش الجميع لدى سماعهم ماقاله البيطري، بعدها غادر العمال الحانة وهم يقتفون أثر الكلب ويبحثون عنه وفي أخر المطاف وجدوا الكلب الاحمر ميتاً وهو يعانق قبرصديقه جون إنخرط الجميع بالبكاء ثم حفروا للكلب الاحمر قبراً ملاصقاً لقبر جون وحفروا فوق صخرة شاهدة قبره.

(ولد الكلب الاحمر عام 1971 وتوفي في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 1979).

منشورات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *