بلدة سويدية يتحول سكانها إلى أقلية بسبب الأكثرية العراقية

صوت النرويج 10 سبتمبر2008/اوسلو/ سودرتالي(السويد): نشرة جريدة الشرق الاوسط تقرير مطولا عن بلدية سودرتالي السويدية التي تحول سكانها الاصليين الى اقلية.

فيتجول أوشين مرزويان في سيارته القديمة من نوع فورد اسكورت، بسعادة على الطرق المغطاة بالثلج. بينما كان دائما يقود في مدينته بغداد بسرعة فائقة تجنبا للقتلة والخاطفين.

لكن هنا في «بغداد الصغيرة» التي قبلت عددا كبيرا من اللاجئين العراقيين يساوي ما قبلته الولايات المتحدة بأكملها منهم، يستمتع مرزويان بترف العيش بسلام في هذه المدينة. فهو لا يحتاج إلى حمل السلاح لحماية نفسه، ولاحظ أن الشرطة السويدية قلقة أكثر حول أحزمة مقاعد السيارات أكثر من القنابل المزروعة على حواف الطرق.

وقال مرزويان، 31 سنة: «حتى لو أعادوا بناء العراق وجعلوه مصنوعا من ذهب وماس فأنا لن أعود». وأضاف أنه وصل السنة الماضية بعد رحلة استغرقت 10 أيام وهو متخف في شاحنة مهرب مع زوجته وطفليه.

أصبحت السويد التي تتبع أكثر السياسات ترحيبا باللاجئين في العالم ملاذا جديدا لما يقرب من 40 ألف عراقي منذ بدء الحرب عام 2003. وفي السنة الماضية جاء إلى السويد أكثر من 18 ألف لاجئ عراقي. وحسبما ذكرته وزارة الخارجية الأميركية فإن الولايات المتحدة قبلت ما يقرب من 6 آلاف عراقي ضمن برامجها الخاصة باللاجئين والمترجمين.

وسبق أن وجهت انتقادات للسويد خلال الحرب العالمية الثانية بسبب بقائها على الحياد، لكن المسؤولين السويديين يقولون إنهم يأخذون حاليا مسؤولية عدد كبير من اللاجئين وطالبوا بضرورة أن تبادر الدول الأخرى للقيام بأكثر مما تقوم به حاليا.

وقال اندرز لاغو عمدة بلدة سويدرتالي الذي قدم شهادة أمام الكونغرس الأميركي الخميس الماضي: «يقول الناس: أوقفوا هذا التدفق. إنه كثير علينا. نحن بلدة صغيرة في بلد صغير. نحن لم نبدأ الحرب. إنها الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. عليهما أن يتحملا مسؤولية اللاجئين».

تقع سويدرتالي إلى جنوب غربي العاصمة استوكهولم وتبعد عنها بمسافة 18 ميلا، ويبلغ عدد سكانها حوالي 83 ألف نسمة، وهي معروفة من خلال كونها بلدة لاعب التنس الشهير بيورن بورغ. وهي اليوم معروفة في كونها البلدة التي سيصبح السويديون فيها أقلية.

وقال لاغو إن 40% من المواطنين هم من أصل أجنبي أو أنهم أبناء مهاجرين يشكل الكثير منهم لاجئين جاءوا نتيجة نزاعات كثيرة منتشرة في شتى أنحاء العالم. ومنذ حرب العراق عام 2003 استقر ما يقرب من 6 آلاف عراقي في هذه البلدة، وأغلبهم من المسيحيين. وينجذب العراقيون إلى السويد بسبب وجود عدد كبير من أبناء وطنهم إضافة إلى امتيازات نظام الضمان الاجتماعي السويدي.

كرست الحكومة الوطنية مبلغ 30 ألف دولار لمساعدة كل شخص منح اللجوء في السويد. وهي تدفع تكاليف دراسة السويدية وتساعد في الإسكان والتدريب على العمل وتدفع علاوة شهرية لكل تكاليف العيش.

رجعوا إلى العراق.

ويقول ميرزويان، الذي كان يتحدث داخل مطبخ منزله ذي الطابقين المدعوم من الحكومة، ان الشخص في هذا البلد يمكن ان يبقى بمنزله ويتقاضى راتبا.

وتشير معلومات مكتب المفوضة العليا لشؤون اللاجئين إلى ان 4.5 مليون عراقي اجبروا على ترك ديارهم، ويعيش نصف هؤلاء داخل العراق، فيما فر مليونان إلى دول الجوار، خصوصا سورية والأردن يعانون الفقر والازدحام في الأماكن التي يسكنونها. ويقول وزير الهجرة السويدي ان هذه أضخم كارثة لاجئين في الشرق الأوسط منذ عام 1948. وقال بيلستورم ان العالم أمام التزام أخلاقي لمساعدة هؤلاء. وإذا قبلت الولايات المتحدة لاجئين طبقا لمعيار مستوى دخل الفرد، فإنها ستقبل نصف مليون لاجئ. الحصول على سكن في سودرتالي يستغرق فترة طويلة. وقال الوزير انه علم ان الأطفال يكتبون واجباتهم المدرسية وهم جالسين على سلم الشقة السكنية بسبب الازدحام، إذ يصل عدد القاطنين في الشقة الواحدة الى حوالي 20 شخصا. وأضاف قائلا ان هذه أوضاع لم تألفها السويد منذ أربعينيات القرن الماضي، وقال انه لا يريد لهذه الأوضاع ان تعود مرة أخرى. جدير بالذكر ان الحكومة السويدية بدأت تغلق الباب، فقد منحت سلطات الهجرة السويدية حق اللجوء لـ76 في المائة من المتقدمين للحصول على حق اللجوء، فيما تراجعت هذه النسبة إلى 25 في المائة العام الحالي. وفيما كان العراقيون يمنحون حق اللجوء بسبب أوضاع العنف والاضطرابات في العراق، بات المتقدمون يطالبون بإثبات تعرضهم للخطر في حال عودتهم إلى هناك. ويعتزم المسؤولون عرض محفزات لتشجيع العراقيين على الاستقرار على نحو متوازن في مختلف أنحاء السويد تفاديا لتكوين جاليات ومجموعات ضخمة ومنفصلة. العراقيون أصحاب المؤهلات، بمن في ذلك الكثير من الأطباء وأساتذة الجامعات، تعلموا اللغة السويدية وحصلوا على وظائف، كما واصل بعض الصاغة، مثل وليد جرجس، نفس أعمالهم التجارية في العراق. إلا ان كثيرين آخرين قالوا ان تعلم اللغة السويدية يستغرق وقتا طويلا وانه بدون تعلم اللغة السويدية لا يمكن الحصول على وظيفة جيدة. إيقاع الحياة اليومية في هذه المدينة الصغيرة رتيب، حيث تخلو الشوارع من المارة في وقت مبكر من المساء. ويقول جرجس ان العراق مجتمع ليلي، وأضاف معلقا انه من الصعب التعود على حقيقة ان «السويديين في العاشرة مساء يكونون في ثاني حلم لهم».

وبفضل غرامات الشرطة تعود العراقيون على استخدام الكلاكسات في الأحياء السكنية. من السهل على الراشدين التمسك بلغتهم وتقاليدهم والعيش في مجتمع منفصل، إذ يمكن ان يتحدثوا العربية في المتاجر التي تبيع الأغذية العراقية وفي الكنائس المزدحمة بالعراقيين.

كثير من العراقيين الذين سئلوا قالوا انهم فشلوا في التوجه إلى الولايات المتحدة، بمن في ذلك هيلين اشو، 42 سنة، التي كانت تعمل مترجمة مع الجيش الاميركي. وتقول هيلين انها اضطرت لمغادرة العراق لأنها باتت خائفة على حياتها بسبب عملها مع الجيش الاميركي، وتقول أيضا ان الانتقال إلى الولايات المتحدة ربما كان أسهل من الاستقرار في السويد، إلا ان المسؤولين الاميركيين أبلغوها بأن تأشيرات الدخول محدودة. اما الآن فيعتقد العديد من السويديين أن المدينة لم تعد تتحمل. وقال توربيورن جونسون البالغ من العمر 37 سنة وهو مدير مشروعات في شركة عقاقير طبية «لا يمكننا حل مشاكل العالم هنا. من الغريب اننا البلد الوحيد الذي يدعو العالم الى الحضور هنا». وأضاف «اذا ما رحبنا بالناس فيجب ان نستطيع دعمهم. ونحتاج من الجميع ان يصبحوا مواطنين من الدرجة الاولى لديهم نفس الحقوق ويتمتعون بنفس الامكانيات للعمل والسكن ـ وإلا ستصبح هناك مشاكل».

وفي مدرسة محولة على بعد عدة اميال من البحيرة ذات المشاهد الرائعة في وسط المدينة، كان 15 رجلا يجلسون حول طاولة في نادي اجتماعي للعراقيين. وكان معظمهم يرتدون معاطف ثقيلة، لعدم اعتيادهم على فصل الشتاء في السويد. 13 منهم ينتظرون منذ شهور معرفة ما اذا كانوا سيحصلون على الاقامة ام لا وبدأت مخاوفهم تزداد من احتمال وصولهم متأخرين.

وقال قصي وحيد، وهو سائق سيارة أجرة من بغداد في الرابعة والثلاثين من عمره «لم نأت هنا لقضاء اجازة. كان البديل الوحيد للابتعاد عن القتل. ماذا سنفعل؟ لا بد من مساعدتنا».

وقال اسحاق منير المتحدث باسم النادي «الناس يعتبرون السويد طوقا يمسكون به في البحر». وتنتشر في الغرفة الضخمة رائحة الحمص والمعسل، حيث كان بعض الرجال يلعبون «الكوتشينة» وكانت التقارير الاخبارية في المحطات الفضائية العربية تبث اخبار عمليات القتل في العراق، ومعارك الشوارع في البصرة. وتضم تلك المجموعة من الحاضرين الجدد صاحب سوبر ماركت قتل شقيقه مؤخرا، وصاحب محل مشروبات نسف محله بالاضافة الى محاسب. ولعدة ساعات وهم يلعبون الورق ويدخنون الشيشة كانوا يعبرون عن قلقهم بخصوص اسرهم في العراق ومستقبلهم.
//انتهى/الشرق الاوسط/ادارة تحرير صوت النرويج

منشورات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *