إسرائيل:صفقة “النرويج” خلقت ماردا نوويا

صوت النرويج/ 02 حزيران / اوسلو / كانت إسرائيل تبني مفاعل ديمونة بطريقة سرية للغاية بمساعدة الفرنسيين. في الوقت ذاته كانت النرويج مسرحا لعملية سرية “للغاية” ومعقدة في 1958، تجري بين أطراف نرويجية ذات صلة بشركات لتصنيع الماء الثقيل المستخدم في صناعة الأسلحة النووية، وأطراف إسرائيلية على رأسها شمعون بيريز الذي كان وقتئذ سكرتيرا عاما لوزارة الدفاع وأب القنبلة النووية البر فسورالإسرائيلي ديفيد يرجمان من الجانب التقني. العملية الاستخباراتية المعقدة بين الإسرائيليين والنرويجيين تكشف عن تفاصيل دقيقة يرصدها عدد من المحللين والخبراء النرويجيين في سياق تحقيق شامل لـ”العربية.نت” حول الموضوع.توطدت علاقة الإسرائيليين برانديش منذ 1953 حيث رغبت إسرائيل بمبادلة اليورانيوم مقابل الماء الثقيل النرويجي وكان غونر رانديس “متعاونا” إزاء الطلب الإسرائيلي بعدها بسنة تمت دعوة النرويج رسميا للتنقيب عن اليورانيوم في إسرائيل وقبل غونر رانديس الدعوة، لكن مجلس إدارة معهد الطاقة النووية النرويجي رفض الدعوة بحجة أن إسرائيل ليست بحاجة إلي اليورانيوم.

في مارس/آذار عام 1956 عاودت إسرائيل الكرة عبر طلب شراء الماء الثقيل من شركة هيدرو النرويجية التي باعت سابقا الماء الثقيل النرويجي إلي كل من بريطانيا وفرنسا بدون أن تشترط مراقبة استخدامه للأغراض السلمية. كانت إسرائيل حصلت في الوقت ذاته على فرنسي بالمساعدة في بناء مفاعل نووي كبير.

ويقول يوهان هولت الذي كان وقتها رئيس الباحثين في شركة هيدرو عن الموضوع “شركة هيدرو لم يكن لديها ضمانات حول الطريقة التي سوف يتم بها استخدام الماء الثقيل النرويجي بواسطة الإسرائيليين، حسب اعتقادي أن هذا الماء سوف يستخدم في مفاعل لإنتاج الطاقة في إسرائيل، وكان لشركة هيدرو سوق كبير لبيع منتجاتنا الكيميائية وكذلك التكنولوجية في مصر، وكنت أخشى أن يؤدي ذلك إلي خسارتنا السوق المصرية فيما لو كشف الأمر”كان التخطيط لمفاعل ديمونة أن يكون قادرا على إنتاج كمية كافية من مادة البلوتونيوم الذي يكفي لصنع أربع قنابل نووية في السنة، لكن الإسرائيليين لم يعلموا صديقهم النرويجي هاكون لي سكرتير حزب العمل النرويجي خلال اتصالهم به عن التعاون الفرنسي الإسرائيلي.

الإسرائيليون كانوا يريدون القيام بذلك سرا ومن دون مراقبة دولية لذلك كانوا بحاجة للمفاعل وكذلك الماء الثقيل النرويجي بدون مراقبة

لم يكن التعاون الإسرائيلي الفرنسي معلنا حتى كشفت المخابرات الأمريكية التحركات الإسرائيلية من خلال قمر تجس أمريكي فوق الشرق الأوسط، وقام الأمريكان بعدها بإرسال جواسيس إلي صحراء النقب

ويكشف الصحفي النرويجي اود كاشتين لـ”العربية. نت” عن جزء من التفاصيل المتعلقة باحباط الإسرائيليين وصول معلومات من النرويج على درجة من الأهمية إلى المخابرات الأمريكية مشيرا إلى أن النرويج أعلمت الولايات المتحدة ببيعها الماء الثقيل لإسرائيل، لكن لأسباب غير معروفة فـإن المعلومات التي أرسلتها الخارجية النرويجية إلي السفارة الأمريكية في أوسلو ومنها إلي الخارجية الأمريكية لم تصل إلي المخابرات الأمريكية.

ويعتقد كاشتين أن إسرائيل نجحت عبر عناصرها في الخارجية الأمريكية في إبقاء المعلومات بعيدة عن أعين المخابرات الأمريكية. وأشار كاشتين الذي يعمل كمراسل للتلفزيون الحكومي في الشرق الأوسط وألف كتابا يدعى ( كل شيء لإسرائيل) إلى العلاقات التاريخية المميزة بين حزب العمل في إسرائيل وحزب العمل في بلاده، “وعندما سأل الإسرائيليون النرويج هل تستطيعون بيعنا الماء الثقيل، فكان الجواب بدون تردد نعم، النرويج سوف تساعد إسرائيل دائما بدون ثمن”.

ويبدو جليا أن إسرائيل بعد نجاحها في عقد “صفقة العمر” مع فرنسا سعت بجدية بالغة للبحث عن صفقة أخرى للحصول على الماء الثقيل الذي كان يمثل وقتئذ “الحلقة الضائعة” بالنسبة لإسرائيل في اطار برنامجها النووي، وهذا ما عثر عليه – بعد محاولات عدة – لدى النرويجيين بعد أن اشترط الأمريكيون وضع رقابة على الإسرائيليين في حال باعوهم الماء الثقيل بهدف استغلاله سلميا.وكان اختيار إسرائيل للنرويج بالذات مبنيا على حسابات دقيقة تتمثل بالسعر المناسب الذي ستدفعه نظير الماء الثقيل، فضلا عن العلاقة الجيدة التي كانت تربط ديفيد يرجمان بنظرائه العلماء النرويجيين.كان غونر رانديش في معهد الطاقة النووية في ضاحية شيللر خارج أوسلو هو رجل إسرائيل في النرويج، وعبر هذا الرجل تمكنت إسرائيل من عقد واحدة من أكبر الصفقات وأكثرها تعقيدا مع شركة نورتوم.

وسهّل رانديش الذي كان يتمتع بعضوية مجلس إدارة الشركة مهمة بيع 20 طنا من الماء الثقيل لإسرائيل. الشركة النرويجية كانت باعت 20 طنا من الماء الثقيل لبريطانيا، ثم عادت وطلبت الكمية ذاتها من البريطانيين الذين لم يكونوا على دراية بما يدور هم والأمريكيون.قامت شركة نوراتوم بشحن الماء إلى إسرائيل بموافقة الحكومة النرويجية، النرويج من ناحيتها كانت قد حصلت من إسرائيل على ضمان باستخدام الماء الثقيل النرويجي للأغراض السلمية. وضمنت إسرائيل للنرويج عملية المراقية، لكن الاتفاق كان حبرا على ورق. الأشخاص الذين كانوا وراء عقد الصفقة من الجانب الإسرائيلي هو شمعون بيريز وكذلك أب القنبلة النووية البر فسورالإسرائيلي ديفيد يرجمان من الجانب التقني الذي تربطه علاقات جيدة مع غونر رانديس.

وتحصلت “العربية.نت” على معلومات بشأن رسائل بعث بها غونر رانديش إلي وزارة الخارجية النرويجية حول زيارته إلي إسرائيل في 1958. ويقول رانديش في احدى الرسائل انه حاول مساعدة إسرائيل بأفضل اتفاق ممكن يحقق مطالبها. شمعون بيريز كان واحد من الذين اتصل بهم غونر رانديش عندما كان سكرتير عاما لوزارة الدفاع الإسرائيلية في أواخر الخمسينات. وهو ذاته مهندس اتفاق مفاعل ديمونا الإسرائيلي السري للغاية مع فرنسا.وقال مدير معهد الأبحاث الدولية في أوسلو سفرره لودغارد الذي كان من الأوائل الذين عرفوا عن الصفقة السرية بين النرويج وإسرائيل لـ”العربية. نت” إن نوعية المفاعل الذي كانت تريده إسرائيل لانتاج البلوتونيوم يقوم على استخدام يورانيوم طبيعي، والماء الثقيل يمكن استخدامه كوسيط في العملية بكلمة أخرى كانت طاقة المفاعل كافية لانتاج البلوتونيوم اللازم لصنع القنبلة النووية الإسرائيليون كانوا يريدون القيام بذلك سرا ومن دون مراقبة دولية، ولذلك كانوا بحاجة للمفاعل وكذلك الماء الثقيل النرويجي بدون مراقبة. وتم بناء المفاعل في 1963 وحصلوا على الماء الثقيل في 1959.ويقول بيريز الذي هندس الصفقة مع النرويجيين “نحن لا ننتمي لأية طبيعة جغرافية. الأوروبيون يقولون إننا لسنا أوروبيين، والآسيويون يقولون إننا لسنا مسلمين وهنا نسأل كيف تريدون أن تراقبونا إذا كنتم لا تريدوننا أن لا ننتمي لأي منطقة جغرافية.

من حقنا حماية أنفسنا من العرب الذين يريدون تدميرنا”.

قرر راندش إرسال يان كرستين هوغا الذي كان وزيرا سابقا لجهة حزب العمل النرويجي إلى إسرائيل

ويذهب البروفسير سليم نزال في جامعة أوسلو في اتجاه قراءة الوضع النرويجي العام وقتئذ. إذ يقول لـ”العربية. نت”لاأن النرويج كانت قلعة لتـأيد إسرائيل بحجة الواجب الأخلاقي وبذريعة أن اليهود عانوا كثيرا، وأن النرويجيين والأوروبيين يتحملون جزءا من المسؤولية لتعويضهم، ويشير نزال إلى أن قوى المجتمع النرويجي من اليسار واليمين كانت في فترة الخمسينات والستينات تتعاطف مع إسرائيل بشكل بالغ. طلبت المخابرات الأمريكية من النرويج من خلال الخارجية الأمريكية والمعهد النووي الأمريكي، مراقبة استخدام الماء الثقيل في إسرائيل. الأمريكيون لم يثقوا بالإسرائيليين.وتوفر لديهم اعتقاد بأن الماء الثقيل لن يستخدم في الأغراض المدنية والسلمية. بعد ذلك لعب النرويجي غونر رانديش نفسه دورا مزدوجا خشية انفضاح استخدام إسرائيل الماء الثقيل لأغراض إنتاج القنبلة النووية.

قرر راندش إرسال يان كرستين هوغا الذي كان وزيرا سابقا لجهة حزب العمل النرويجي إلى إسرائيل بغية كتابة تقرير رسمي. سافر هوغا في أبريل 1961 ليعود إلى اوسلو بتقرير تم تقديمه للخارجية النرويجية. ويقول هوغا إنه راقب استخدام الماء الثقيل النرويجي، لكنه لم يقم بزيارة مفاعل يديمونه في صحراء النقب. وأضاف أنه تلقى ضمانات من الإسرائيليين بأن الماء سوف يستخدم لإغراض سلمية. لكن الجديد في الأمر أن يانس كرستيان هوغا عمل في تلك الفترة لصالح الإسرائيليين لإرسال هذه المعلومات للنرويج وحلفاءها خاصة الأمريكيين كما تؤكد المؤرخة النرويجية أسترد فورلاند لـ”العربية. نت”.

وتضيف ان الحقيقة التي أخفاها الإسرائيليون هي أنهم بدؤوا بحفر وإنشاء المنطقة المعدة لمعمل تصنيع البلوتونيوم للمفاعل من قبل حشد من العمال الإسرائيليين والفرنسيين ومعهم معداتهم الإنشائية. وكان الهدف هو إحباط أية عملية استطلاع وتجسس من قبل الأمريكيين وغيرهم. وتشير المؤرخة النرويجية إلى استغلال الإسرائيليين للوزير النرويجي السابق هوغا لتمرير “رسالة خاطئة” للأمريكيين والبريطانيين. وأفلحت إسرائيل في استخدام النرويجيين لإيصال معلومات غير صحيحة ومزيفة عن نشاطها النووي للعالم.

عند زيارة شمعون بيريز الأخيرة إلي النرويج في سبتمبر 2002 تلقى توبيخا من نقابة عمال النرويج ووصفته رئيسة النقابة بالوقاحة

في صيف 1960 عاش البرنامج النووي الإسرائيلي أزمة بعد وصول الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول إلي السلطة مقررا وقف التعاون النووي الفرنسي الإسرائيلي بعد أن وردت إليه معلومات تفيد بأن إسرائيل ماضية في صنع القنبلة النووية. اتصل العالم الإسرائيلي ديفيد يرجمان بزميله في النرويج غونر رانديس في شركة نورتوم لشراء المعدات اللازمة للإنتاج البلوتونيوم المستخدم في صنع القنبلة النووية في مخابئ سرية تحت الأرض استخدمت إسرائيل الكثير من المعدات النرويجية من شركة نورتوم في تلك الفترة عوضا عن التكنلوجيا الفرنسية.

فعنونو .. مرشح “نوبل”

في 1986 كشف فني يهودي ساخط من أصل مغربي اسمه موردوخاي فعنونو عما كان يجري داخل مفاعل ديمونة. واظهرت صورا كانت حقائق واضحة حول “ديمونة”. سلم فعنونو الصور لصحفيين بريطانيين في صحيفة صندي تايميز، ولعالم ذرة بريطاني واصفا كل ماكان يراه. تم خطف فعنون من قبل الموساد الإسرائيلي في لندن في 1988 وحكم عليه بالسجن لمدة 18عاما بتهمة كشف أسرار الدولة العبرية.تبقى الاشارة إلى أن فعنونو مرشح في النرويج من قبل لجنة نوبل للسلام لجائزة نوبل للسلام لـ 2004. وربما يرجع طلب فعنونو بعد خروجه من السجن مؤخرا حق اللجوء الانساني من النرويج إلى معرفته بدور النرويج في مساعدة اسرائيل في الحصول على القنبلة النووية. ولن يكون مدعاة للاستغراب حصول موردخاي فعنونو على جائزة نوبل للسلام هذا العام في محاولة من النرويج للتكفير عن ذنبها في جلب اسلحة الدمار الشامل الى منطقة الشرق الاوسط كونها بلد يدعو الى نشر السلام.بيريز .. وقح في عيون النرويجيين

أين العرب من صفقة الماء الثقيل بين النرويج وإسرائيل؟ الجواب كما يقول سليم نزال أستاذ التاريخ في جامعة أوسلو لـ”العربية. نت” ان هناك تقصير عربي في ما يتعلق بالبعد الدولي. كانت النظرة العربية ترى الصراع من منظور إقليمي من دون رؤية البعد الدولي ا توجد سفارات عربية في النرويج إلا لخمس دول عربية فقط (مصر السودان المغرب تونس مكتب للسلطة الفلسطينية) وتدير بقية الدول العربية مصالحها في النرويج انطلاقا من بعثاتها الدبلوماسية في السويد.أما الصحفي اود كاشتين اتفيد فيقول إن الحرب اللبنانية التي شاركت فيها قوات نرويجية ضمن قوات حفظ السلام الدولية، كانت هي الفرصة الأولى لأن يتعرف النرويجيون عن كثب على الصراع العربي الإسرائيلي. وبعودة عدد كبير من الجنود برؤية مختلفة وناقمة على إسرائيل، أصبح المجال مفتوحا أمام النرويجيين لتصحيح مفاهيمهم حول التضامن مع إسرائيل.

وعند زيارة شمعون بيريز الأخيرة إلي النرويج في سبتمبر 2002، تلقى توبيخا من نقابة عمال النرويج، ووصفته رئيسة النقابة( بالوقح).مفاعل ديمونة: قلعة إسرائيل السريةمفاعل ديمونة في صحراء النقب يحتوي على مرافق تم بناءها من الأسمنت المسلح ومرافق الطاقة الكهربائية وأبنية إتلاف النفايات. ويقع قسم تصنيع البلوتونيوم تحت ست طوابق تحت الأرض. بناه الإسرائيليون بهذه الطريقة مع الفرنسيين لإحباط أي عملية تجسس على عملية الإنتاج.

[[[يقع قسم تصنيع البلوتونيوم تحت ست طوابق تحت الأرض]]]ويعترف وزير خارجية إسرائيلي سابق هو ابا ايبان “كنت اعرف كل شيء عن البرنامج النووي الإسرائيلي، ولم يكن بإمكاننا أن نفعل أي شيء بدون الشراكه الفرنسية النرويجية في الأبحاث، ولولا التكنولوجيا الفرنسية لما تمكنا من إنجاز مفاعل ديمونة والحصول على القنبلة النووية//انتهى/اشرف الخضراء

 

منشورات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *